عفيف الدين التلمساني

99

شرح مواقف النفري

عن مقام المعرفة فضلا عن مقام العلم فتفطن لقوله : كل شيء لي يعني في الوقفة وغيرها ، وهذا شاهد أن ليس معه غيره ، فإن كل شيء لي هو من باب له حسن وله جمال لا من باب له مال وله ثروة ، وأما الوقفة فخصوص وصف فيما هو له حقيقة . قوله : ( وقال لي : الوقفة نار الكون والمعرفة نور الكون ) . قلت : معناه كما تقدم أن الوقفة تعني اعتبار الكون في عيان المشاهد ، كما تفنى النار الحطب وتحيله إلى ما يريده من أنارها الذاتية بخلاف المعرفة فإنها تنير الكون أي تفني بعضه بنور إلهي يستنير ما بقي منه بمجاورة نور ما فني ، فلهذا المجموع استعار للوقفة نارا وللمعرفة نورا والجميع مجاز على عادة الكلام الفصيح . قوله : ( وقال لي : الوقفة تراني وحدي والمعرفة تراني وتراها ) . قلت : معنى قوله : الوقفة تراني وحدي أي الواقف يراني وحدي وإنما عدل عن ذكر الواقف وأقام مقامه الوقفة إشعارا بكمال فناء الواقف عن أنانيته فنسب النظر إلى مقامه والمراد هو ، وأيضا فإن الرؤية هي بعين الحال لا بعين الجارحة كما أن النطق بهذه المقامات هو بلسان الحال لا بلسان النطق فإذن شهود الحق في حضرة الوقفة هو أن يكون لا شيء معه ، وأما المعرفة فهي مما لا يشهد الحق فيها وحده وإن كان الأمر في نفسه هو أن الحق وحده . قوله : ( وقال لي : الوقفة وقفة ، الوقفة معرفة ، المعرفة علم ، المعرفة معرفة ، العلم لا معرفة ولا وقفة ) . قلت : هذا التنزل الشريف من أحسن ما مر من المعجزات ومن أحسن ما أعجز من التنزلات وفيه جماع الوقفة ، وشرحه يتوقف على توطئة وهي أن كل مقام فله اعتباران : أحدهما : هو جانب الحق وهو ما يفني النور من الغيريات وتتبدل فيه الصفة الخلقية بالصفة الحقية ، وذلك الجانب هو الوجه الخاص ، والاعتبار الثاني هو ما يبقى من الرسم في ذلك المقام بحيث يتميز به ذلك المقام عن غيره من المقامات ، وذلك هو رسم باق من الغيرية ، غير أنها هي من ضرورة ثبوت المقام لئلا يدخل