عفيف الدين التلمساني

89

شرح مواقف النفري

قوله : ( فإن عرفه خرج من المعرفة إلى الوقفة ، وإن لم يعرفه امتزجت معرفته بحده ) . قلت : معناه فإن عرفه فقد خرج من المعرفة إلى الوقفة ، وإلا لما عرفه ، إذ بالوقفة يعرفه ، وإن لم يعرفه فهو في مقام المعرفة ، ومقام المعرفة تمتزج فيه المعرفة بحد العارف ، وحد العارف هو ما بقي من رسمه مما لم يفن بالشهود ، وهذه العبارة التي أذكرها في الشرح إنما يعرفها من جرب هذا الميثاق ، ونازل هذا الأمر بالعيان ، أو من امتحن اللّه قلبه بالإيمان فهو على نور من ربه . قوله : ( وقال لي : الوقفة نوري الذي لا يجاوره الظلم ) . قلت : معناه يؤكد ما قبله ، فإن الظلم هي الحدود ، والمعرفة تمازج الحد فالمعرفة نور وظلمة ، وأما الوقفة فلا تمازج الحدود فهي منزهة عن الظلم أي الحدود ، وقد عرفت أن الحدود هي اعتبار الغيريات المجاورات للعينيات ، فالوقفة لا تجاورها غيرية أصلا . قوله : ( وقال لي : الوقفة صمود ، والصمود ديمومة ، والديمومة لا يقوم لها الحدثان ) . قلت : هذا التنزل فيه تبيين لما تقدم كأن قائلا قال ما هي هذه الحدود ؟ فقال هي أوصاف الحدثان ، واعتبار كثرة الغيريات في الأعيان ، وأما الوقفة فصمود لا ثنوية فيه ، وذلك هو ديموميته ، أي الأمر كذلك دائما ، والديمومة لا تأتلف بالحدثان ولا يعارضها ، لأن الحدثان يقتضي أن الحادثات لا تدوم ، وأما الدائم فليس بحادث وأما إن قال قائل : كيف ذلك ؟ فالجواب أن التعينات عدمية وأن المتعين واحد ، وأن ذلك الواحد قديم ، وأن ذلك القديم دائم ، وأن الدائم لا يقوم له الحدثان ، وأن الحدثان ليس غير تجدد تلك التعينات ، وأنها عدمية ، وأن العدميات لا تكثر الوجود ، ولا تثبت معه في الشهود ، وأن الوجود نور ، والعدم ظلمة ، فالعدميات ظلم وهي الكثرة ، والواجد نور وهو واحد ، ولا يفهم هذا الكلام إلا الواجد دون الفاقد ، وأما من كان له استعداد ، ولم تنفقد ذاته بالاجتهاد أو عرض له مانع أو دفعه عن مطلوبه دافع ، وهو في نفسه مستحق فإنه يرى من وراء حجاب أن ذلك حق . قوله : ( وقال لي : لا يرى حقيقة إلا الواقف ) . قلت : معناه أن عين الحق ترى الحقيقة ، ومنه قولهم ما يرى اللّه إلا اللّه .