عفيف الدين التلمساني
90
شرح مواقف النفري
قوله : ( وقال لي : الوقفة وراء البعد والقرب ، والمعرفة في القرب ، والقرب من وراء البعد ، والعلم في البعد ، وهو حدّه ) . قلت : الوقفة تمحو جملة الرسوم ، والبعد والقرب رسوم ، فليسا في الوقفة ، وأما المعرفة فتمحو البعض من الرسوم وتبقي البعض ، فباعتبار ما امحى من الرسوم فهي معرفة ، وهي في القرب ، وبهذا الاعتبار تكون وراء العلم ، ويعني بوراء هنا فوق ، والفوقية فيه بالمرتبة لا بالجهة ، وباعتبار ما بقي من الرسوم تنحط المعرفة عن درجة الوقفة . وأما العلم فهو في البعد فقط ، وذلك لأن العلماء لم تنمح رسومهم ولا شيء لأن علومهم بالأفكار لا بالمنازلة ، ومعنى قوله : « في البعد وهو حده » أي محل تعرفه ، ولما كان العلم بالنسبة إلى المعرفة كالمعرفة بالنسبة إلى الوقفة ، وجب أن يعلم أن المراد بالعلم : العلم المصادف للحكم . وعلى هذا ، فكل العلوم التي في البعد إنما هي العلوم التي صادفت الحكم ، وأما ما يسمى عند الناس علما ، وهو في نفسه لم يصادف الحكم ، فذلك مهمل لا حديث عنه ، ويترتب على هذه القاعدة العمل ، إذا كان إنما هو بمقتضى العلم الذي لم يصادف الحكم ، فهذا العمل هل يسمى عملا صالحا عند الكمل أم لا ، الحق إنه لا يسمى عملا صالحا عند الكمل بل عند من لا عبرة بعنديته ، وإنما العمل الصالح هو ما كان بمقتضى العلم النافع ، وهو الذي صادف الحكم ، وعلى هذا فالعلم الذي البعد حده هو العلم النافع ، ومعنى حده : حقيقته . قوله : ( وقال لي : العارف يرى مبلغ علمه ، والواقف من وراء كل مبلغ ) . قلت : معناه أن العارف يرى العلم ومبلغه ، وذلك لأنه فوق العلم ، لكنه لا يرى الواقف إذ هو وراء كل مبلغ أي فوقه ، فكأنه قال إن العارف لا يدرك الواقف ، وهذا قد ذكره في تنزل غير هذا . قوله : ( وقال لي : الواقف ينفي المعارف كما ينفي الخواطر ) . قلت : معناه يترتب على توطئة ، وهي أن يعلم أن السالكين في طريق أهل اللّه تعالى من شرطهم أن ينفوا الخواطر ، وذلك لأن سلوكهم بالأذكار لا بالأفكار ، والفكر عندهم حرام ، ولا يرد على هذا الكلام ما ورد من الحث على