عفيف الدين التلمساني

85

شرح مواقف النفري

قوله : ( وقال لي : العالم في الرق ، والعارف مكاتب والواقف حر ) . قلت : أ - معناه أن العالم علمه يكون نقلا ، إما عن ذهنه وهم الفلاسفة ، وإما عن غيره وهم أهل التقليد الصرف ، وكلهم يأخذ عن الغير ويعبد ربّا غائبا ، هو في رق العبودية له على قدر مقامه . ب - وأما العارف فلأنه شهد بعض شهود محى منه بعض رسومه على قدر مكانته في المعرفة ولم يمح منه رسم إلا وتبدل ذلك الرسم من الخلقية إلى الحقية وذلك هو عتق العارف في جزء من أجزائه فكأنه قرب من عتق جميعه كما يقرب المكاتب من العتق ، فإنه بصدد ما يقوم بما كوتب عليه فيعتقه ، بخلاف العالم . ج - وأما الواقف : فإنه حر بمعنى أنه قد تبدلت ذاته وصفاته عن الخلقية إلى الحقية فلم تبق له بقية في العبودية ، وذلك لثبوت سر الاستخلاف فيه ، فإن الخليفة المطلق يقوم مقام من استخلفه تماما . قوله : ( وقال لي : الواقف فرد والعارف مزدوج ) . قلت : معناه ما سبق من أن العارف فيه بقية رسم تقتضي الثنوية وهو الازدواج المذكور ، وأما الواقف فإنه قامت به الحقيقة المطلقة فليس مع الحق غيره ؛ إذ لا ثنوية ، وهنا شطح من شطح في التوحيد . قوله : ( وقال لي : العارف يعرف ويعرف ، والواقف يعرف ولا يعرف ) . قلت : معناه أن الواقف محيط بالمقامات فيراها بعين ليست عين غيرية فيعرف الأشياء وهو في نفسه لا يعرف ، وقد سبق مثل هذا وهو قوله : « فيجدك كل أحد عنده ، ولا تجد أحدا عندك » . وأما العارف فيعرف الأشياء بما فيه من مقدمات الوقفة ، وينظرها بعين منصبغة بنور قوله : « كنت سمعه وبصره » فيرى الأشياء ، به ، وهو في نفسه يعرف لما بقي فيه من الشرك الذي يناسب الناس فيعرفونه بما فيه منهم .