عفيف الدين التلمساني

86

شرح مواقف النفري

قوله : ( وقال لي : الواقف يرث العلم والعمل والمعرفة ولا يرثه إلا اللّه ) . قلت : إن الواقف يشهد كل مقام في مرتبته فيكون أحق بالعلم من العلماء لظفره بالحكم ، وأحق بالمعرفة من العارفين لظفره بالوقفة التي هي عمود المعرفة ، فيرث العلم والعمل أي يهتدي إلى وجه العمل الصالح بالعلم النافع ، لا حاجة منه إليهما ، بل ظفر بمقاميهما ، ويرث المعرفة إرثا صحيحا لموت العارفين بالنسبة إلى مقام حياته الأزلية التي قام في خلافتها ، ومعنى ولا يرثه إلا اللّه ، أي يقوم عنه تعالى بأوصافه من باب « قف يا محمد فإن ربك يصلي » « 1 » وباب « وما رميت إذ رميت ولكن اللّه رمى » . فالواقف ميت لفنائه عن ذاته وأوصافه موروث لمن قام عنه بأوصافه وذاته ، وهذه حالة يعرفها القوم ولا يفهمها من دخل تحت حقيقة زمانه زمانية الليل واليوم . قوله : ( وقال لي : احترق العلم في المعرفة ، واحترقت المعرفة في الوقفة ) . قلت : معناه أن العالم إذا صار عارفا صارت علومه معارف لأنه يراها بغير العين التي كان يراها وهو عالم لظهور النور الإلهي الذي صبغ علومه وأحيا رسومها حين أفنى رسومه ، وكذلك العارف تصير معارفه مواقف لفناء بقية رسمه ، وكأن العلوم لما تحولت معارف احترقت العلوم من كونها علوما وكذلك المعارف من كونها معارف ، واستحالت المدارك في آخر ذلك إلى مواقف . قوله : ( وقال لي : كل أحد له عدة إلا الواقف ، وكل ذي عدة مهزوم ) . قلت : معناه أن الحق تعالى لا ينال مقامه بسبب ، وكل من دون الواقف يتعاطى الأسباب ، لأن ذاته في نظره هي له ، فكل فعل يفعل من التقرب ينسبه إلى نفسه ويقول إن ذلك يقربه فهو عدة في نظره ، ولما كان لا وصل إلا بالموهبة لا غير انقطع صاحب الأسباب عن حضرة الاسم الوهاب فكان انقطاعه هزيمة في حقه

--> ( 1 ) رواه الذهبي في ميزان الاعتدال ، المحمدون ، رقم ( 8311 - 8236 ) [ 6 / 366 ] وابن فورك في مشكل الحديث وبيانه [ 1 / 343 ] .