عفيف الدين التلمساني

78

شرح مواقف النفري

فإنه يفقد مشهوده مطلقا ، إذ لو كان شهوده المطلق حاضرا لم يحتجب عنه في مرتبة ما ، فهو إذ ذاك يشكو ضر فقد مشهد تلك المرتبة الخاصة لأن صاحب ذلك المشهد يفقد مشهوده إذا فقده الواقف ، وفيه سر آخر وهو المقصود الحق في هذا التنزل وهو أن الواقف إن لم يصدق كل ناطق في حق كان أو في باطل بوجه من وجوه التصديق يستند فيه إلى شهود مرتبة ذلك الناطق فليشك ضر الفقد ، وكذلك حاله في صمت كل صامت ، وفي كل اعتبار ما ، فهذا حكمه حتى لا يجد في الوجود تفاوتا أصلا ، ويشهد معنى قوله تعالى : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ [ الملك : الآية 3 ] أنه على هذا الحكم ، ومن لم يشهد ذلك فليس واقفا ؛ فهو يشكو ضر الفقد ، وليس أرباب تلك المراتب مطلوبين بدرك احتجابهم إذ مقامهم يقتضي ذلك فلا يمسهم من احتجابهم ضر هو يشكوه ، وهذا هو الشرح المطابق . قوله : ( وقال لي : حار كل شيء في الواقف ، وحار الواقف في الصمود ) . قلت : معناه أن كل صاحب مقام ليس يسع الواقف فهو حائر فيه ، وليس للواقف حيرة إلا في الصمود وهو مشهد وحدانية مطبقة ليس فيها لشيء من الأشياء رسم . قوله : ( وقال لي : الوقفة روح المعرفة والمعرفة روح العلم ، والعلم روح الحياة ) . قلت : معناه أن الحياة إن لم يصحبها علم كانت حيوانية بهيمية وإن صحبها العلم كانت حياة إنسانية أو ملكية ، فالعلم هو الذي رقى من هو له عن درجة البهائم الشبيهة بالأموات فصيره في درجة الحياة التي تبقى بعد الموت فهو روح الحياة ، لكن العلم إن لم يظفر بالحكم فهو ميت ، فإذا ظفر به كانت المعرفة باطنة ، فالمعرفة هنا روح هذا العلم ، يعني العلم النافع ، لكن المعرفة هي أيضا ظاهر الوقفة ، فالوقفة روحها ، فنسبة الحياة إلى العلم كنسبة العلم إلى المعرفة ، ونسبة العلم إلى المعرفة كنسبة المعرفة إلى الوقفة . قوله : ( وقال لي : كل واقف عارف ، وما كل عارف واقف ) . قلت : الأعلى يتصرف في الأدنى ولا ينعكس .