عفيف الدين التلمساني

60

شرح مواقف النفري

ما تقدم ذكره من أن يشهد أن الغيرية الملحوظة في التعرف لا حقيقة لها فهي جهل ، وإنما كان من هذين الاعتبارين ، أعني اعتبار الخلقية ، واعتبار الغيرية . فالحاصل شهود ذلك الجهل المذكور ، فإن إثبات الخلقية هو بعينه إثبات الغيرية ، فانساق الشرح للتنزل سياقا واحدا إلا تفسير الخلافية بالخلافة فإنه مغاير لتفسيرها بالغيرية نفسها ، واعتبار الخلافة فيها أظهر ، فإن العبد لا يشهد أن في التعرف شرك تثليث وهو في مقام التعرف وإنما يشهده إذا رقى عنه ، واستعلى عن مقامه فصار في مقام خلافة الرحمانية ، كما أن جميع المقامات لا تشهد حقيقة مقام منها من هو فيه وإن شهد ما فيه مما ينطوي عليه من المعاني بل إنما يشهد حقيقة المقام نفسه حين يرقى إلى ما فوقه . وفي مثل هذا قال الجنيد رحمة اللّه عليه : إنه قد ينتقل السالك من مقام وقد بقي عليه فيه شيء فلا يستكمل شهوده إلا من المقام الذي فوقه ، وأنا أقول إن الذي أشار إليه رحمة اللّه عليه هو ما ذكرناه من المعنى ، وزيادة أخرى وهي أن تعقل المعارف التي حصلت عنده ، وهو في المقام الأول عندما ينتقل إلى الثاني فيتيسر له التعبير عنها ، وذلك مجرب معروف فإذن الأمر كذلك فيما نحن فيه . فتفسير الخلافية إذن في هذا التنزل مأخوذ من الخلافة لا من معنى الغيرية ، لكن الجهل المذكور ليس هو غير ما يتعلق بالغيرية . قوله : ( وقال لي : من استخلفته لم أسوه على رؤيتي بشرط يجدني إن وجده ويفقدني إن فقده ) . قلت : معناه أن الذي معرفته بشرط هو من لم يبلغ إلى مقام خلافته ، وأما من قام في مقام خلافته تعالى فإنه لا يفقده أبدا ، وكونه يجده هو من كونه يجد ذاته وهو لا يفقد ذاته إذ ذاك إذ هي حقية فلا يفقد بوجود الحق . ومعنى قوله لم أسوه هو معنى الاستواء سواء ، يقول سويته فاستوى ، وهذا الاستواء يعرفه أهله . قوله : ( وقال لي : إن استخلفتك شققت لك شقّا من الرحمانية ، فكنت أرحم بالمرء من نفسه ، وأشهدتك مبلغ كل قائل فسبقته إلى غايته ، فرآك كل أحد عنده ولم تر أحدا عندك ) . قلت : يقول : إذا أقمتك في مقام خلاف الرحمانية والرحمان هو الوجود الصرف تعالى فأنت أرحم بالمرء من نفسه ، وخص المرء وهو الإنسان لشرفه ، وإلا