عفيف الدين التلمساني
61
شرح مواقف النفري
فهو أرحم بكل موجود من نفسه وذلك لأن الوجود هو الرحمة ، والرحمة من الرحمن . ومعنى « وأشهدتك مبلغ كل قائل » . . . أي أنك لكون مقام الرحمانية مهيمنا على كل مقام ومحيطا بكل مقام وهو مقامك ففيه تشهد مبلغ كل قائل ، ومعنى قوله : « وتسبقه إلى غايته » أي أنك فوق مقام كل قائل ، والعبادة وإن كانت ممن هو فوق مقام القائل كانت أطوع . وقد ذكرنا ذلك ، فبالتمكن الحاصل يسبق من هو دون مقامه إلى الغاية المطلوبة . ومعنى « فرآك كل أحد عنده » أي تحدثه بذوقه الخاص به ، فيظن أنك في مقامه ، وذلك حال القطب المستحق قبل انقطاع الرسالة أن يكون رسولا يخاطب الناس على قدر عقولهم ، وبعد انقطاع الرسالة أن يكون شيخا مربيا يسلك بكل أحد على طريق استعداده الخاص به ، ويخاطبه على قدر عقله . ومعنى . قوله : ( ولم تر أحدا عندك ) ؟ قلت : أي لم تجد صاحب مقام إلا وهو دونك ، فلا ينطق أحد بمبلغك وأنت تنطق بكل مبلغ . قوله : ( وقال لي : إن استخلفتك جعلت غضبك من غضبي فلم ترأف بذي البشرية ، ولم تتعطف على الجنسية ) . قلت : هذا التنزل تعرض إلى استخلافه في حضرة اسمه الجبار ، والتنزل الذي قبله يختص باستخلافه في حضرة اسمه الرحمن ، ولما كانت الأسماء الإلهية على قسمين : أسماء رحمة مثل : الرحمن ، الرحيم ، المنان ، الجواد ، اللطيف ، الرؤوف ، وأشباه ذلك . وأسماء نقمة مثل : الجبار ، والقهار ، المنتقم ، الشديد البطش ، وأشباه ذلك ، وكان الاسم الرحمن نظير اسم اللّه الجبار في إضافة الأسماء إليه كما قال تعالى : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [ الإسراء : الآية 110 ] فنسب خلافة عبده إلى اسمه الرحمن في مقام الرحمانية ، فكان أرحم بالمرء من نفسه ، ونسب خلافته إلى اسمه الجبار تعالى في مقام غضبه ، فلم يرأف بذي البشرية ، وهذا سر شريف وهو أنه لا يلطف بذي البشرية لفناء بشريته منه ، فانقطعت العلاقة ، ولذلك قال : « جعلت غضبك من غضبي لأنه إذ ذاك حق من حق » ، وقد تبدلت ذاته وصفاته بالحقيقة فغضبه ليس هو غضب البشر بل غضب اللّه تبارك وتعالى ، وكذا كان نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم