عفيف الدين التلمساني
56
شرح مواقف النفري
قوله : ( وقعره ظلمة لا تمكن ) . قلت : معناه وعدم الاعتماد على شيء من الظاهر بالكلية هو ظلمة لا تمكن من أن يكون فيها طريق مرئي ، وذلك من عادة الظلمة . قوله : ( وبينهما حيتان لا تستأمن ) . قلت : معناه أن السلوك بين ظاهر البحر وقعره وهو التوسط بين الظاهر المحض والباطن الصرف هو وإن كانت الطريق فيه تظهر ظهورا ما إلا أن الشبه والقواطع فيه كثيرة وهي المعبر عنه بالحيتان التي لا تستأمن . قوله : ( وقال لي : لا تركب البحر فأحجبك بالآلة ) . قلت : معناه أحجبك باعتمادك على غيري ، وهو السبب المعبر عنه بالآلة أي المركب . قوله : ( ولا تلق نفسك فيه فأحجبك به ) . قلت : معناه فأحجبك بالإلقاء ، وليس معناه فأحجبك بالبحر ، فإن البحر وإن كان محل العطب ، فهو أيضا محل الحصول إذ هو طريق السلوك إلى المطلب ، وأما إلقاء النفس فهو عطب لا غير ، والحجاب إذن منسوب إليه . قوله : ( وقال لي : في البحر حدود فأيّها يقلّك ) . قلت : معناه أن في البحر ، وهو المسافة حدود وهي مراتب في السلوك ، فأي تلك الحدود يحملك ، فإن لفظة يقله في اللغة معناه يحمله ، وفي هذا التنزل اعتباران : أحدهما : الإنكار عليه أن يستند في سلوكه إلى حد من الحدود ، ويكون ، فأيها يقلك أي أيّ هذه الأشياء الناقصة يصلح لك أي ليس فيها شيء يصلح لك . والاعتبار الثاني : أن تكون الحدود وهي الطرق ، فكأنه قال : فأي هذه الطرق يصلح لك فاعتمده والأول هو الحق . قوله : ( وقال لي : إذا وهبت نفسك للبحر ، فغرقت فيه كنت كدابة من دوابه ) . قلت : معناه إذا كنت أنت الذي ألقيت نفسك للبحر فإنك تهلك لا محالة بشبهة من شبهه وهي المعبر عنها بدابة من دوابه . والمراد الإرشاد إلى طريق لا يكون للنفس فيه مدخل لا بكسب وهو الركوب المشار إليه ولا بترك وهو الإلقاء