عفيف الدين التلمساني

53

شرح مواقف النفري

6 - موقف البحر هذا الموقف جميعه هو لأهل البداية في السلوك ، وما يتعلق بتصحيح النية فيه ، وشرح ما يعرض للسالكين من ثمرات تصحيح النية أو ضد ذلك . والبحر على هذا هو ما يقطعه العبد ويسافر فيه في أثناء سلوكه . قوله : ( أوقفني في البحر ، فرأيت المراكب تغرق والألواح تسلم ، ثم غرقت الألواح ) . قلت : معنى هذا التنزل تبيين هل السلوك بالعلم أولى أم السلوك بما يحمل القلب من الشوق كيف اتفق فرجح الثاني ، وذلك بقوله : رأيت المراكب تغرق ، والمراكب هو ما يتخذ طلبا للنجاة ، وذلك في عادة السلوك هو العبادة إنما تصح على ما يقتضيه العلم ، فرؤيته إياها تغرق معناه تهلك من يعول عليها ، فإن غرق المراكب هو هلاك الراكب فكأنه يشير إلى أن السلامة إنما هي موهبة وليست عن التكسب وإذا كانت الجنة ، وهي كون من الأكوان لن يدخلها أحد بعلمه فما ظنك بحضرة ليس للكون فيها مدخل ، ومعنى قوله والألواح تسلم أي راكب الألواح أقرب إلى السلامة ، وذلك لأن راكب الألواح في هذا البحر لم يعتمد على الأسباب اعتمادا كليّا ، لأن الألواح أسباب ضعيفة فكأن راكبها اعتمد على المسبب الحق تعالى لا عليها ، وأن تلبس ظاهرا بها ، وحال هذا الشخص يشبه حال من يعبد اللّه تعالى ولا يعتد بعبادته عنده ، ومعنى غرقت الألواح أي تلك الأسباب أيضا . والإشارة إلى ما قلناه من أن السلامة في السلوك إليه تعالى به لا بالأسباب وأن ضعيفها أقرب إلى السلامة من قويها ، ولست أريد أن السالك ينبغي أن يترك العبادة ، بل المراد أن يترك اعتبارها من قلبه ، فإن في ذكرها منة على اللّه تعالى فيكون فيها اجتراء والقلب عند ربه تعالى وفي مثل هذا المعنى ورد في كلام الرجل أيضا مما ورد عليه خطابا وصورته : « اجعل ذنبك تحت رجليك ، واجعل حسنتك تحت ذنبك » أي أعرض عن ذكر الحسنات بقلبك إعراضا يريك كأنها في درجة الهوان عندك كهوان ما يجعل تحت الأرجل ، وذلك لضرر الاعتماد على الأسباب في طريق الوهاب ، وهذا خاص بأهل اللّه تعالى ، وفي مثل هذا المعنى