عفيف الدين التلمساني

54

شرح مواقف النفري

قال منشدهم : ولقد خبرت بني الهوى وعرفتهم * فالصب ينشد والحلى يسبح ولعمرك التسبيح أشرف خلة * للعابدين وذا لقوم يصلح « 1 » وفي قوله « وذا لقوم يصلح » تعظيم شديد لاعتبار الصبابة ، وحال الصب لما فيه من التهكم على مخالف ذلك . قوله : ( وقال لي : لا يسلم من ركب ) . قلت : معناه لا يصل من اعتمد في طريقه على سبب ، والتوكل عندي سبب وإن أوهم أنه التجريد عن السبب ، وذكر صاحب محاسن المجالس أنه من مقامات العوام ، وليس إلا لأنه لحظ فيه معنى سبب ما خفي ، فإن الموكل في الشيء هو كفاعل ذلك الشيء . قوله : ( وقال لي : خاطر من ألقى نفسه ولم يركب ) . قلت : هذا التنزل شريف القدر ، عظيم الجدوى ؛ وذلك لأن فيه تحذيرا مما يعرض لتارك الأسباب من الآفات وهي أنه ترك الأسباب من جهة أشرف ووقع فيها بعينها من جهة أخرى ، وذلك لأن المتسبب إنما حذر من التسبب من كونه فيه بنفسه ، وسعيه لا بربه عزّ وجلّ ، وتارك السبب بنفسه ليس هو أيضا ممن هو بربه عزّ وجلّ في الترك إذ تركه إياه لا يخلو من أن يكون تركا هو بنفسه قاصده ، وفاعله وذلك بقاء مع النفس فهذا الترك أقبح من ذلك الفعل المتروك ، أو يكون إنما تركه إهمالا وإعراضا لعدم استعداده لطلب الحق فهو أيضا أشد قبحا ، ولما كان في جانب الترك هذان الاعتباران ، فإلقاء النفس قبيح لكن التنزل ما تعرض لهذين الوصفين معا بل فيه تحذير من الأول منهما . فوجه المخاطرة إذن هو أن يخاف على من ألقى نفسه أن يعتمد على إلقائه نفسه فيكون أيضا متسببا ، إلا أن الإلقاء عنده أسلم ، وسيأتي بيانه . قوله : ( وقال لي : هلك من ركب وما خاطر ) . قلت : صرح هنا أن المخاطرة أسلم لأن الاعتماد فيها على المسبب أظهر والذي حسن تخصيص الطريق باسم البحر والعبادة بالمراكب في التمثيل هو أنه لو

--> ( 1 ) لم أعثر على قائل هذين البيتين .