عفيف الدين التلمساني

49

شرح مواقف النفري

قوله : ( وقال لي : اجعل ذكري وراء ظهرك وإلا رجعت إلى سواي لا حائل بينك وبينه ) . قلت : هذا التنزل دون مقامات التنزلات السابقة ، وذلك لأنه تعرف في السلوك بالأذكار ، والأذكار إنما تكون مع الغيبة . ومعنى قوله : « اجعل ذكري وراء ظهرك » . أي اشتغل بالمذكور عن الذكر ، وليس معناه اترك الذكر اشتغالا بغير المذكور ، ومعنى قوله : « وإلا رجعت إلى سواي لا حائل بينك وبينه » . . . أن الذكر هو غير المذكور في هذا المقام وقولي في هذا المقام احتراز من مقام البقاء بعد الفناء فإن الذكر فيه لا يغاير المذكور . ومعنى « لا حائل بينك وبينه » . . . أي لا فارق بل كلاكما إذ ذاك سوى ، ويجوز أن يكون معناه لا مانع يمنعك دونه . قوله : ( وقال لي : قد جاء وقتي وآن لي أن أكشف عن وجهي وأظهر سبحاتي ويتصل نوري بالأفنية وما وراءها ، وتطلع على العيون والقلوب ، وترى عدوي يحبني ، وترى أوليائي يحكمون فأرفع لهم العروش ويرسلون النار فلا ترجع ، وأعمر بيوتي الخراب وتتزين بالزينة الحق ، وترى فسطي كيف يفنى ما سواه ، وأجمع الناس على اليسر ، فلا يفترقون ولا يذلون ، وأستخرج كنزي فتحقق ما أحققتك به من خبري وعدتي وقرب طلوعي ، فإني سوف أطلع ويجتمع حولي النجوم ، وأجمع بين الشمس والقمر ، وأدخل في كل بيت ويسلمون علي وأسلم عليهم ، وذلك بأن لي المشيئة وبإذني تقوم الساعة وأنا العزيز الرحيم ) . قلت : هذا التنزل العزيز في هذا اللفظ الوجيز يتضمن بحرين زاخرين لا يمكن استقصاء شرح معانيهما ولا استيفاء ما فيهما : أحدهما : من حضرة الإطلاق عن الزمان والمكان وفناء الأعيان في العيان . والآخر : من حضرة الاستواء على العرش والاحتواء على الفرش . وسنشرح كلا منهما على سبيل الإشارة مع عدم وفائها بالعبارة . فأما الأول : وهو مطلعه في الآفاق والأنفس وكلاهما منصبغ فيه بالوصف الأقدس ، فمعنى قوله : « قد جاء وقتي » أي وقت كشف الحجاب عنك أيها العبد