عفيف الدين التلمساني
48
شرح مواقف النفري
إذ ذاك من العالم في شيء فذلك القسط من عنده تعالى هو الذي لا ينعرف لأنه ليس من الخلق ولا يعرف لأنه من الحق . قوله : ( وقال لي : أصمت لي الصامت ينطق الناطق ضرورة ) . قلت : معناه كن منفعلا لتجلياتي إذا أذنتك بأنها الناطقة ينتسب النطق كله إليها وذلك هو أن « يصمت لي الصامت منك » والمعنى في قوله : « لي » أي : أبرأ من حول نطقك وقوته بحول نطقي وقوته فهو إصماتك له ، ثم إن قوله : « اصمت لي الصامت منك » ولم يقل « اصمت لي الناطق منك » هو إشارة عزيزة إلى أن الذي يصمته هو في نفس الأمر صامت أبدا فإن النطق نطقي ، فإن النطق لا يكون إلا بقوة والقوة للّه جميعا ، فالنطق له تعالى ، والعبد إن صمت فإنما يصمت ما هو صامت فلذلك قال : « اصمت لي الصامت منك » : وقوله : « ينطق لي الناطق » ليس معناه أنه كان صامتا ثم نطق بل معناه أصمت الصامت منك تجد النطق لي . وقد كتبت إلى سيدي وشقيق روحي سعد الدين أسعده اللّه الفارقي كان اللّه له عوض نفسه وأغناه بقدسه عن حسه أبياتا تتضمن هذا المعنى وقد طالبني بهذا النفس شعرا : عجبت لصحبتي والغرام يحثهم * يقولون حدّثنا فأنت أمينها ألا فاسمحوا إن شئيموها * يا نفس طويل إلى تلك الديار حنينها ولا تنطقوا حتى تروا نطقها * بكم يلوح لكم منكم قبلكم شؤونها وهي قصيدة . قوله : ( وقال لي : أثر نظري في كل شيء فإن خاطبته على لسانك قلبته ) . قلت : معناه أن نفسك تتأثر من ملاحظتها إياي في كل شيء فذلك الأثر من نظري في الشيء والمنظور في كل شيء والحالة هذه هو قسطي فمتى خاطبته خطاب المخلوقين فقد قلبته عن معنوية ما هو قسطي إلى معنوية ما هو قسطك ، وهذا هو قلب في عيان العبد لا في نفس الأمر واستعماله القلب وإن لم ينقلب مجاز . ومعنى قوله : « على لسانك » أي ينعت الخلقية وهو أيضا مجاز وهذا الكلام فصيح فلذلك تكثر فيه الاستعارات والمجازات الرائعة على عادة الفصيح من الكلام .