عفيف الدين التلمساني

322

شرح مواقف النفري

قوله : ( وقال لي : بالتصنيف تعارفت الجسمية وبالوقوف تعارفت العلوية ) . قلت : معنى تعارفت الجسمية أي تناسبت ، والوقوف قد خصه بالأفئدة فنسبه إلى العلوية ، وهو في هذا يخاطب الأفهام بحسبها . قوله : ( وقال لي : من عرفني فلا عيش له إلا في معرفتي ، ومن رآني فلا قوة له إلا في رؤيتي ) . قلت : المعرفة تحكم على القوى بأسرها ولا تترك لصاحبها عيشا في غيرها ، والرؤية أقوى منها فلا يجد صاحبها قوة في غيرها ، والفرق بين المعرفة والرؤية أن المعرفة جزئية بالنسبة إلى الرؤية فإنها كلية . قوله : ( وقال لي : إذا عرفتني فخف مكري وأنى يعرفه إلا المصطفون لعلمي ) . قلت : المعرفة فيها حجب بحسب ما بقي من الرسوم ، وما دامت الرسوم باقية فالمكر ممكن ، والمكر مراتب : مكر يسلخ العبد من مواهب اللّه تعالى وذلك لا يمكن في حق العارفين ، ومكر هو أن يتعرف الحق إلى عبده من وراء حجب وذلك التعرف لا يفني الرسوم فهذا أيضا يسمى مكرا ، والذي لا يعرفه إلا المصطفون هو هذا المكر المذكور أخيرا . قوله : ( وقال لي : اعتبر المكر بالغيرة فإذا رأيتها تحوشك إليّ وإلى سبيلي فقد قر قرار حكمتك وأنار هدى هدايتك ، تمسك بها واصلك من واصل وجانبك من جانب فهي دليلي الذي لا يتيه وتدبيري الذي لا يحيد ) . قلت : الغيرة قد تكون من الحق تعالى على عبده فهو يحوشه إليه بتعرفاته في قلبه وقد تكون غيرة من العبد على ربه فيروم أن ينفرد به دون الخلائق أجمعين والأولى هي التي تراد ، ووجه التمسك بها هو الانقياد والمطواعية لأحكامها . قوله : ( وقال لي : إذا جاءك التأويل فقد جاءك حجابي الذي لا أنظر إليه ومقتك الذي لا أعطف عليه ) . قلت : السلوك إليه تعالى إذا أسس على أصل ثابت وهو أن العبد سلم نفسه إلى ربه تعالى فلا يجوز له بعد ذلك أن يتأول فيما نفع ، فإنه فيما بعد يجد الحق