عفيف الدين التلمساني

297

شرح مواقف النفري

تجدونه من الشر فمن لمة الشيطان . فهذا إخبار عن حضرة ملكية ، وقال عليه السلام في حضرة إلهية ما صورته : « قلب العبد بين إصبعين من أصابع الرحمن » « 1 » يعني بالإصبعين اسمين وهما الاسم الهادي والاسم المضل وكلاهما من أحكام الاسم الرحمن كما قال تعالى : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [ الإسراء : الآية 110 ] . ونعود ونقول إن مرتبة هذا الخطاب منحطة عن مراتب الخطاب الوارد في المواقف إذا كانت تلك الواردات عن تجليات ، وهذا التنزل هو عن خطاب محجوب ، والذي يتولى صاحب هذا المقام هو معنى التصوف ، وهو منحط عن مقام المعارف ، وأما قوله : كرهت لك الموت فكرهته ، فهو بمعنى وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الإنسان : الآية 30 ] وأما قوله : ألا أكره فراق أحبابي فإنه بمعنى قوله عليه السلام مخبرا عن ربه عزّ وجلّ أنه قال : « ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مماته ولا بد له منه » « 2 » . وأما قوله : « أن يفارقوني فإنها مفارقة الاسم الظاهر واتصاله بالاسم الباطن » . قوله : ( وقال لي : جازف نفسك وإلا ما تفلح ) . قلت : المجازفة المشار إليها هي أن السالك لا يحاسب ربه عزّ وجلّ عن النوافل ولا يجعل له عملا معروف عدد الركعات أو التسبيحات فإن ذلك عمل التجار وصاحب اللّه من ألقى نفسه إليه معرضا عن الحسنات كانت كثيرة أو قليلة فهذا هو الجزاف المطلوب . قوله : ( وقال لي : حسابك غلط والغلط لا يملك به صواب ) . قلت : الغلط في أصل اعتماد الحساب وعدد التسبيح ، وإذا كان الغلط في أصل الشيء ففروعه كلها غلط .

--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب تصريف اللّه تعالى القلوب كيف شاء ، حديث رقم ( 2654 ) [ 4 / 2045 ] ونصّه : عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص يقول : إنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء » ، ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اللّهمّ مصرّف القلوب صرّف قلوبنا عن طاعتك » . وروى الحديث غير مسلم . ( 2 ) روى نحوه ابن حبان في صحيحه ، ذكر الإخبار عمّا يجب على المرء من الثقة . . . ، حديث رقم ( 347 ) [ 2 / 58 ] والبيهقي في سننه الكبرى باب ما ينبغي للمرء أن لا يبلغ منه . . . ، حديث رقم ( 20769 ) [ 10 / 219 ] ورواه غيرهما .