عفيف الدين التلمساني

296

شرح مواقف النفري

يموت ، فهذا هو المعنى قوله : لا يموت ، ثم إن الجزء الذي قدرنا أنه لا يموت هو الذي قيل فيه عرفني وليس هو كالجزء الذي لم يعرفه فلهذا قال : ليس من عرفني كمن لم يعرفني ، وكان القياس أن يقول : ليس ما عرفني منك ، لكن لما نسب إليه وصف لا يقوم إلا بالعقل وهو المعرفة عبر عن ذلك الجزء . اعلم أن حقيقة الشهود وهي أن يدرك الجسم والروح والنفس وجميع المشاعر والمدارك وما عادته أن يدرك من أخبر الإنسان ، وما عادته أن لا يدرك فإن الجميع في حال الشهود يصير لهم إدراك واحد متصل غير منفصل ، ثم إن السمع يرى والبصر يسمع ، وهكذا كل المدارك يقوم بعضها مقام بعض ، ولا يتخلف شيء منها في حال الشهود عن الإحساس والإدراك ، لكن بوجه لم يكن له في المحسوس شبيه ، فيبين بالتمثيل ، بل هو حال من رآه عرفه ، ومن عرفه وصفه ، ومن وصفه لم يشترط أن سامعه يقبله منه فنصفه . قوله : ( وقال لي : استعذ بي من شر ما يعرفني منك ) . قلت : قد علمت أن الحق إنما يتعين عند اضمحلال الرسم ، فالذي يعرف أليس أنه عارف فهذا الموصوف بالمعرفة هو رسم من الرسوم ، فاستعاذته به إنما هي من الرسوم . قوله : ( وقال لي : كلك يعرفني وليس كلك يجحدني ) . قلت : أما قولك له كلك يعرفني فإن الموجودات بأسرها تعرفه وليس الموجودات كلها غير كلية الإنسان ، لكن هذه المعرفة معرفة بالذات . وأما أن كل الإنسان يعرفه وهو في حال عرفانه إياه يكون كلية ثابتة . فهذا لا يمكن . وأما قوله : وليس كلك يجحدني ، فهو تأكيد لقوله : كلك يعرفني ، وليس فيه معنى آخر ، ولا يلتفت إلى ما يسبق إلى الفهم من حمل ليس كل على الجزئية . قوله : ( وقال لي : كرهت لك الموت فكرهته ألا أكره لأحبّائي أن يفارقوني وإن لم أفارقهم ) . قلت : اعلم أن الخطاب المتضمن لمعنى هذا الوارد ليس هو من حضرة إلهية صرفة ، بل من حضرة ملكية ، وذلك أن الواردات إنما تعين حضراتها أحوال السالكين ، ألا يرى إلى قوله عليه السلام في حال بعض العالم وهو قوله : قلب العبد بين لمتين لمة الملك ولمة الشيطان فما تجدونه من الخير فمن لمة الملك وما