عفيف الدين التلمساني
295
شرح مواقف النفري
لست من الأحرار ولا من المماليك ، لأن هاتين الطائفتين لهما طرق ؛ والحق تعالى ليس في طريقتهم لأنهم بين الجنة والنار . وأما معنى اختصاص المماليك بالجنة ، فلأن المماليك هم الذين لا يرون أنهم يستحقون أجرة ؛ فإن المملوك لا أجرة له في العمل ، وأما الأحرار فإنهم لا يدخلون تحت حكم العبودية ، والعبودية هي ثمن الجنة . قوله : ( وقال لي : دور الجنة كلها حمامات ) . قلت : يعني أن الجنة تصفو فيها الأنفس من كدر الأغيار فتتأهل للطهارة التي بها يصلح أن يروا الحق تبارك وتعالى على النحو الموعود به في الشرع ، فعبر عن هذا المعنى بقوله دور الجنة كلها حمامات . قوله : ( وقال لي : هذا كله لا يرى إلا عندي ) . قلت : يعني أن ما أشار إليه من هذه الألغاز في هذه التنزلات هي أمور صعبة الإدراك على أهل الحجاب بل إنه لا يمكن وجودها منهم ، فأما من كان عنده مشاهدا فإنه هو الذي يرى هذه الأشياء كلها . قوله : ( وقال لي : إن لم تجالس إلا نفسك جالستك ) . قلت : هذا يشير إلى حقيقة قولهم من عرف نفسه فقد عرف ربه . قوله : ( وقال لي : تموت ولا يموت ذكري لك ) . قلت : يعني أن العبد هو من عالم الموت ، وأما ذكر ربه له فليس من عالم الموت ، ثم إن ذكر الرب لعبده ليس هو باللفظ ، وإنما هو بالاختصاص ، وهذا الاختصاص هو منزلة عنده تعالى وإذا وهبها لعبده لم ينقطع عنه بعدها أبدا . قوله : ( وقال لي : ليس من عرفني منك كمن لم يعرفني ) . قلت : هذا متعلق بالذي قبله ، وذلك أنه جعل ذكره تعالى لا يموت ، وإذا حققت ذكره تعالى لعبده لم تجده غير إشهاده ، ثم إن الشهود إذا كان جزئيّا وقع الشهود في بعض الإنسان دون بعض كمن تجلى له الاسم الظاهر فرأى صورة جسمه الحقيقة داخلة في الظاهر ، فكان ظاهره هو ظاهر الحق فهذا الجزء الذي وقع فيه الشهود وهو ما ظهر من الإنسان هو في التحقيق لا يموت . وبالجملة فكل جزء شهد فيه فإنه لا يموت بمعنى أنه يشهد فيرى ليس بمغاير لحقيقة الذي لا