عفيف الدين التلمساني

294

شرح مواقف النفري

الرزق إلا من يد صورة ، فإنك تفتقر ويطول انتظارك ما لا يجيء . ولأهل العقائد في مخالفة هذا النظام أوهام يكثر في ساحاتها الكلام والذي أتحققه أن الفطنة هي موهبة شريفة وأن الذي قال خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به قد أتى بالحكمة . قوله : ( وقال لي : ادخل السوق فناد ولا تقعد تاجرا ) . قلت : قد أمره في التنزل الذي قبل هذا أن يدخل السوق ولم يوصه بشيء آخر ، وسبب ذلك أن المعنى أراد تقريره بقوله : ادخل السوق هو معنى عظيم وهو أن لا يرى في السوق غيره ، فأكتفي هناك بتقرير هذه القاعدة . وأما في هذا التنزل فأراد أن يعلمه طريق الخلاص وهو أن لا يفارق شهود فقره وعدمية نفسه فأوصاه أن يكون مناديا فإن المنادي لا ملك له فأشبه العبد ، وأما التاجر فإن له بضاعة ورأس مال فهو بالسيد أشبه . قوله : ( وقال لي : إذا أخذت أجرتك فلا تنفق منها شيئا ) . قلت : معناه أن يوصيه أنه لا يرى أنه مالك الأجرة فإن الإنسان إنما ينفق ما يملك في الغالب ، وكأنه يذكره أنه في السوق معدوم الذات أيضا ، فلا يغتر بكثرة الوهج الذي في السوق ، فإنه ربما حجب لأنه يشغل الذهن عن استحضار ما يجب في الوقت الذي يجب ، فقوله لا تنفق أجرتك أي : لا تملكها ، ولم يرد أن ينهاه عن أن ينفق مما حصل له بطريق الأجرة وهذه مسامحات يسامح الحق تعالى فيها وليه خوفا عليه أن يستمده الحجاب . قوله : ( وقال لي : ما جلست قط على الطريق ) . قلت : معناه أن يقول ما أنا على طريق عقيدة من العقائد فمن قصدني بها أو بعقله لم يجدني فطرق العقل وطرق النقل جميعها ذكر أنه ليس يجلس عليها ، فإن تلك إنما هي طرق الجنة وأما طريقه هو فأمر آخر . وقال في بعض التنزلات أتدري أين محجة الصادقين ؟ هي من وراء الليل والنهار ووراء ما فيها من الأقدار ، ولا شك أن الطريق التي هذه صفتها ليست هي من مقتضى المنقول ولا من مقتضى المعقول . قوله : ( وقال لي : المماليك في الجنة والأحرار في النار ) . قلت : هذا يؤيد ما ذكره في التنزل الذي قبل هذا ، وذاك أنه أخبره أنه ما جلس قط على الطريق أي أن طريقك إليه أيها الواقف هو سلوك لا في طريق لأنك