عفيف الدين التلمساني
293
شرح مواقف النفري
قوله : ( وقال لي : ما بقي حجاب ، فرأيت العيون كلها تنظر إلى وجهه شاخصة فتراه في كل شيء احتجب به وإذا أطرقت رأته فيها ) . قلت : قوله ما بقي حجاب يعني أن الطائفتين المذكورتين آنفا قد استوعب صور الحجاب كلها لاستغراقها عالم الأمر في الطائفة الذين احتجب عنهم بنفسه ، وعالم الخلق في الطائفة الذين احتجب عنهم بخلقه ، وليس هناك شيء سوى عالم الأمر وعالم الخلق . قال اللّه تعالى : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [ الأعراف : الآية 54 ] وهذه اللام في له ليست لام الملك ، بل بمعنى منه هكذا تفهمه هذه الطائفة وكذلك يفهمون قوله تعالى : جَمِيعاً مِنْهُ [ الجاثية : الآية 13 ] ، وهذا التنزل يشهد بصحة أن هذا هو مفهومهم ألا يرى إلى قوله : فرأيت العيون كلها تنظر إلى وجهه شاخصة فتراه في كل شيء احتجب به ، وإذا طرقت أي إذا لم تنظر رأته في ذاتها . فحاصل ما يقول أنه رآه عين كل شيء . قوله : ( وقال لي : رأوني وحجبتهم برؤيتهم إياي عني ) . قلت : يقول حجبتهم باعتقادهم أن الذي رآه هو هم ؛ لأنه رأى نفسه فكانت الرؤية المذكورة حجابا لهم ، وهذا المعنى يفهم في الأبيات من قولي وإنما يراها فتى معناه عنها يترجم . قوله : ( وقال لي : ما سمعوا مني قط ولو سمعوا ما قالوا لا ) . قلت : هذا التنزّل جواب لسؤال مقدر كأن قائلا يقول فقد قيل لهم إنه ما في الوجود إلا اللّه تعالى فما لهم لم يشهدوا ، فحصل الجواب بقوله : ما سمعوا ذلك مني ، ولو سمعوه مني ما قالوا لا ، وسبب ذلك أن سماعهم منه لا يكون إلا بعد شهود ومع الشهود لا يقولون لا . قوله : ( وقال لي : ادخل السوق وإلا كفرت وافتقرت ) . قلت : هذا التنزل يؤكد ما ذكر في الذي قبله فإن أمره إياه أن يدخل السوق إنما بشرط أن لا يرى أهل السوق غيره ، ثم حذره عن أن يتأخر عن السوق مصاحبا لهذا الشهود بقوله : وإلا كفرت ، والكفر : الستر . وقوله : وافتقرت أي إذا لم تأخذ من يد الحق ، وهي يد من أيدي أهل السوق ، بل انتظرت حتى يأتيك