عفيف الدين التلمساني

292

شرح مواقف النفري

قوله : ( وقال لي : إن طرحته أفلست وأنا لا أحبّ إلا الأغنياء ولا أكره إلا الفقراء فلا أرى معك غنيّا ولا فقيرا فإني لا أنظر إلى الأنواع ) . قلت : اعلم أنه قد رقي نظر عبده في هذا التنزل من مقام حسن وهو مقام الطرح الذي معناه شهوده أنه عدم إلى مقام الغنى التي هي مقام وجود . وحقيقة هذا الرقي هو الترقي من مقام الفناء الذي هو حسن إلى مقام البقاء بعد الفناء الذي هو أحسن منه ، فالإفلاس هو من عالم الفناء ، وأما الغنى فإنه من عالم البقاء بعد الفناء ، ومحبته للأغنياء هو عين تعظيمه لأهل البقاء بعد الفناء ، وهم أهل التحقيق ، وما رأيته تكلم في هذا المقام إلا في هذا التنزل ، وإنما أكثر كلامه في ما دون هذا ونهايته الفناء وهي حضرة الوقفة وسماه موقف الوقفة . وأما قوله : فلا أرى معك غنيّا ولا فقيرا ، أي كن بين يدي وحدك فإني لا أنظر إلى الكثرة ، وسمي الكثرة أنواعا . 47 - موقف الحجاب قوله : ( أوقفني في الحجاب فرأيته قد احتجب عن طائفة بنفسه واحتجب عن طائفة بخلقه ) . قلت : إن وقوفه في الحجاب ليس هو بأن يكون محجوبا حالة وقوفه في الحجاب ، بل هو إذ ذاك مشاهد لحقائق الحجاب ، ثم اعلم أن الطائفة الذين احتجب أي : الحق تعالى عنهم بنفسه لم يخالفوا الطائفة الذين احتجب عنهم بخلقه إلا في مجرد الاعتبار ، فإن كلا من الفريقين دفع نظره على عالم الصور من لدن العقل الأول إلى نقطة مركز الأرض ، فأما الطائفة الذين احتجب عنهم بنفسه فهم القوم الذين يرون أن العلوي والسفلي هما جوهر واحد كما قال قائلهم : وأنهما عند الحكيم لواحد لأنهما من واحد متمايز فهم لا يرون من العالم إلا وجوده ، والوجود هو هو ؛ فهؤلاء قوم قد احتجب عنهم بنفسه ، وأما الطائفة الأخرى فهم بالعكس من هؤلاء ، وهم قوم لا يرون من العلوي والسفلي إلا صورة ، والصورة هي عالم الخلق ، فهؤلاء قوم قد احتجب الحق تعالى عنهم بخلقه .