عفيف الدين التلمساني
290
شرح مواقف النفري
قبولك إنما يكون بالفردانية وقبولهم إنما هو على مقدارهم ، فهذا معنى قوله رددتك ، ولهذا تخلفوا فالعذر أنهم ليسوا خواصا ، وهو عذر مقبول ، ويبقى اللوم على من هو من الخواص وهو قوله ولمتك ، قال فرأيت الناس كلهم براء أي معذورين . قوله : ( وقال لي : أنت صاحبي فإذا لم تجدني فاطلبني عند أشدّهم عليّ تمرّدا وإذا وجدتني فلا تعصه وإن لم تجدني فاضربه بالسيف ولا تقتله فأطالبك به ، وخل بيني وبينك ولا تخل بيني وبين الناس وخاصمني وتوكّل لهم عليّ فإذا أعطيتك ما تريد فاجعله قربانا للنار ، وقف في ظل فقير من الفقراء فسله أن يسألني ولا تسألني أنت فأمنع غيرك بمسألتك فتكون ضدّا لي وأخذلك ، فرأيت طرح كل شيء الفوز ) . قلت : اعلم أن أحوال السالكين تختلف في مدة السلوك إلى أن ينقضي اختلافا كثيرا ، وتكون واردات السالك مختلفة بحسب اختلاف أحواله ؛ ولذلك قيل إن الطرق إلى اللّه تعالى على عدد أنفاس الخلائق ، فللسانك الواحد في كل نفس طريق خاص بذلك النفس ، هذا في السالك الواحد فما ظنك بالحال في اختلاف السالكين من سائر طوائف أهل الأرض ، وإنما قدمت هذه المقدمة توطئة لقبول ما تجده من اضطراب ألفاظ هذه التنزلات ، واعلم أن من يثبته للوازم معاني هذه التنزلات يحصل على علوم جمة من علوم التوحيد . قوله : أنت صاحبي بشرى عظيمة لهذا الواقف ، فإن اللّه هو الصاحب ولا يقدر كل أحد أن يكون صاحب الحق تعالى إلا من اصطفاه ، وهنا قد قيل لهذا الواقف أنت صاحبي فأثبت له مقاما عظيما ، ثم إن الصاحب لا يصير عين صاحبه فلا جرم قال له فإذا لم تجدني فاطلبني عند أشدهم تمردا عليّ عندك ، وهنا أسرار عجيبة وسوف أوضح بعضها . أما طلبه له عند المتمردين فلأن حضرة المتمرد وهي حضرة ربوبية لا عبودية فيها فهي حضرته المحققة وطلبه لأشدهم تمردا لأن الحضرة إذ ذاك تتخلص إلى الربوبية ولا تبقى فيها للعبودية نسبة ، فكأنه قال له أشهدني عين ذلك المتمرد فإنك ترى جبروته هي جبروتي وعظمته هي عظمتي ، وإن كان هو لا يشعر بنفسه فلا