عفيف الدين التلمساني

287

شرح مواقف النفري

يتجاوزه . قال الواقف : « وجاءت الريح فعبرته ولم تتخلّله » والريح هنا الوهم أي هذه الحقيقة المذكورة هي بحيث لا تتخللها الرياح أي الشكوك . ثم إنه أراه في هذه الموجودات المستمدة من حضرة الرحمانية كيف تستمد وهو قوله : وجاءت السحابة فأمطرت على العود وهو المستمد فانبل الورق ، وهو الشيء المتعلق بالمستمد فإن الورق بالنسبة إلى العود هو أجنبي ومتعلق وكل متعلق منقطع فلا جرم أن العود أخضر وأن الورق أصفر . ثم أمره بأن يدخل في الشهود ويعرض عن التفاصيل ولا يتعرض إلى صحبة أهل التفاصيل بقوله : ولا تسألني ، وبقوله : ولا تعقد على المزبلة فتهر عليك الكلاب ، ويعني بالمزبلة الدنيا والكلاب هم أهلها . ولم ينهه عن أن يجلس مع مثله في التوحيد فإن ذلك ليس بأجنبي بل هو ذاته كما قيل له إنهم ألف ألف في عددهم عادوا إلى واحد فرد بلا عدد ، والمراد بالقصر المصون هو كتمان التوحيد واعتباره دون غيره . ومعنى « فإنك إن رأيت غيري عبدته » أي اشتغل نظرك به ولو لمحة واحدة ، وإن رآك غيرك فكذلك ، وأما محي الكل معه فتفنى مراتب الكل التي في شهوده لا وجوداتهم فإن ذلك لا يمكن ، وأما كونه يردهم إليه فمعناه أنه يشهده أن مراتب الوجود بأسرها هي في ضمنه ، وهذا أمر لا يمكن خلافه ، فلذلك قال : « ولا تنفعك شفاعة الشافعين » ، أي : ليس في خلاف ذلك طمع . 46 - موقف التيه قوله : ( أوقفني في التيه فرأيت المحاج كلها تحت الأرض وقال لي : ليس فوق الأرض محجة ، ورأيت الناس كلهم فوق الأرض والمحجات كلها فارغة ورأيت من ينظر إلى السماء لا يبرح من فوق الأرض ومن ينظر إلى الأرض ينزل إلى المحجة ويمشي فيها ) . قلت : أراد بالتيه هنا تيه العباد في طلبهم السلوك إلى اللّه ولم يروا تيه من عبر عن حال الناس هذا السلوك أحسن من هذه العبارة ولا أصح مطابقة من هذا المثال لممثوله المشار إليه ؛ وذلك أن السالكين على قسمين : سالك بطريق الشرع وهم أتباع الأنبياء عليهم السلام ، وسالك بطريق العقل وهم الفلاسفة والمتفلسفة .