عفيف الدين التلمساني
288
شرح مواقف النفري
وقوله : فرأيت المحاج كلها تحت الأرض ، يعني محجوبة لأن آراء المحجوبين قد أفسدت وصار حكم الظهور لها فصار الحق تحت الأرض أي محتجبا والناس كلهم فوق الأرض يعني في الآراء التي صار الظهور لها ، ففوق الأرض عبارة عما ظهر من الباطل فقال ليس فوق الأرض محجة أي مسألة من مسائل إلا ورأى ما قد كدر مشربها . ثم قسم السالكين إلى قسمين : ناظر إلى السماء أي إلى البعد وهم أهل التعمق والتشديد ، وأحق الطائفتين بأن يوصف بهذا الفلاسفة لأنهم يرون بالتجرد والمجردات ، وأما الذين ينظرون إلى الأرض فهم الذين تحس نفوسهم بالقرب ويكتفون في السلوك بالإيمان والإحسان ، ومقام الإحسان هو أن تعبد اللّه كأنك تراه ، وليس هناك من ينزل إلى المحجة ويمشي فيها غير هؤلاء . قوله : ( وقال لي : من لم يمش في المحجة لم يهتد إليّ ) . قلت : ما أنه حجب كل شيء فأنت ترى العالم كيف يفتشون عليه ، ومن ذلك بيت من شعري وهو : يا عرب نجدهم سالت فلم أجد * إلا صدى عنكم كمثلي يسأل وأما أنه أوصل كل شيء فإن وجود كل شيء عين وجوده . قوله : ( وقال لي : قد عرفت مكاني فلا تدل عليّ ، فرأيته قد حجب كل شيء وأوصل كل شيء ) . قوله : ( وقال لي : اصحب المحجوب وفارق الموصول وادخل عليّ بغير إذن فإنك إن استأذنت حجبتك وإذا دخلت إليّ فأخرج بغير إذن فإنك إن استأذنت حبستك ، فرأيت كلما أظهر إبرة وكلما أستر خيطا ) . قلت : هذه آداب كلها نافعة للمحجوب والمكاشف ، أما المحجوب فصحبته بمحجوب مثله أنفع له ؛ لأن الموصول ربما بدت منه أقوال أو أفعال أو أحوال وهذه كلها فيتبعه المحجوب فيها فيضل ، وأما المكاشف الموصول فينبغي أن يفارق الموصول أيضا ؛ فإن الموصول يزيد من صحبه سكرا . ولما كان بكل موجود في الشهود خاصيته ، أمكن أن يغاير كل واحد من الموصولين صاحبه في ذوقه ، وليس واحد منهما يشهد مشهود صاحبه بشهود الآخر ، وأما إذا صحب الموصول محجوبا