عفيف الدين التلمساني
286
شرح مواقف النفري
حجبت عنك أنك مني بل غيري لاختصاصك بالغضب دوني ، ولو كان غضبك هو غضبي لم تكن غيري فعززت بعزتي ، فلما فاتتك عزتي وقعت في ذلّ الكون . فحاصل ما يقول إن جعلت الغضب لك كنت غيري فلبست ذلّ الأغيار ، ولو شهدت غضبك عين غضبي لعززت بعزتي ، وإذا كنت أنت إياي فالعزة لي وحدي ، فلا يكون لك منها نصيب إذا كنت غيري . قوله : فرأيت كل شيء قد دخل في الغضب ، أي يصدر منه الغضب غير أنه أراه كيف يخرجه منه وصورة خروجه في نظر هذا العبد هو أن يشهد أن الغضب الصادر من كل شيء إنما هو صادر عنه تعالى لا بمعنى أنه لم يصدر عن الجزئيات ، بل بمعنى أن القوة واحدة وأن الغضب واحد ، وهذا من حقيقة اتحاد الفاعل . فهذا الشهود يخرج الغضب أن يكون للأشياء أنفسها بل له تعالى . فهذا معنى قوله أخرجه منه ، وهذا الإخراج ليس هو إخراجا حقيقيّا ؛ فلذلك قال فلم أر إلا الحجة : أي لم أر إلا أن الحجة حجة اللّه تعالى قائمة بنسبة الفعل إلى نفسه لا أن الفعل خرج عن فاعله المحسوس ؛ فإذن لم ير إلا الحجة وحدها فلا جرم قيل له وأنت الصحيح ، ثم إن هذا التجلي هو عالم الجلال وهو مقابل لعالم الجمال ؛ ولذلك شرع في وصف عالم الجمال بقوله : أوقفني في الرحمانية فإن الرحمانية هي عالم الجمال ، فقال لا يستحق الرضا غيري فلا ترض أنت فإنك إن رضيت محقتك ، والمراد فلا يرى أن الرضى صادر عنك ، والشرح فيه كالشرح في الذي قبله في نسبة الفعل إليه تعالى مع عدم نفيه عمن هو صادر عنه حسّا ، فإذن ليس نفيه عمن هو صادر عنه حسّا إلا بالحجة وحدها كما تقدم . قوله : « فرأيت كل شيء ينبت ويطول كما يطول الزرع » أي رأيت كل شيء هو مستمد من الحضرة الرحمانية كاستمداد الزرع . قوله : « وطال حتى جاوز العرش » يعني وصح اعتبار هذا المعنى فيما بين العرش والعرش وفيما وراء العرش أيضا ، وهو قوله وقال إنه يطول أكثر مما طال ؛ وذلك لأن الذي فوق العرش من توابع العرش هو أكثر مما تحت العرش ، ومعنى قوله لا أحصده هو سر غريب ، وهي مسألة عجيبة تبين منها هل الموت مقصود لذاته أم هو انقضاء أجل بمعنى وقوف قوي عندك حد لم يكن في قوتها أن