عفيف الدين التلمساني

282

شرح مواقف النفري

فعرفتها ، فقال لي : أفلحت وإذا جئت إليّ فلا يكن معك من هذا شيء لأنك لا تعرفني ولا تعرفك ) . قلت : هذا التنزل مرتبط بما قبله ، إلا أن ذلك قيل فيه لا تبرزك إليّ ، وفي هذا القول أكشفك لي ولا تغطك ، ولكل منهما وجه هو به حق ، وهو في هذين التنزلين استعمل الفاعل والمفعول لعين واحدة ، والعادة في غالب كلام العرب أن لا يستعمل مثل هذا إلا في أفعال الشك مثل ظننتني وخلتني ، ومعنى أكشفك أي أظهر عدمية ذاتك ، ولا تسكت عن التصريح بعدميتها سكوتا يوهم أنك تراها ثابتة . واعلم أن الأعيان والذوات إذا جردتها عن الوجود لم يبق لها ذات فإذن ذواتها ليس إلا أحكام الوجود ، فما ثم إذن إلا الوجود وهو له سبحانه وأحكام الوجود وهي ذواتنا وما لا ذات له في نفسه إلا الاعتبارات في الوجود فالعدم أولى به ذاتا ووصفا . قوله فإن تغطيت هتكتك أي هتكتك بالجهل والحجاب ، وإن هتكتك بهما لم أسترك بستر العرفان قال . فتغطيت بمقتضى ما أمره به في التنزل الأول . قال ولم أبرز وتكتشف ولم أتغط بمقتضى ما أمر به في هذا التنزل ، وحقيقة التغطي هو إسقاط الأنانية من الاعتبار ، وحقيقة التكشف هو أن لا تخفى هذه العدمية . قوله : فرأيته يرضى ما لا يرضى ، أي يرضى في العلم بما لا يرضى به في المعرفة . ومعنى قوله : ولا يرضى ما يرضى أي ولا يرضى في المعرفة ما يرضى به في العلم ، ثم تبين له أنه ليس من أهل العمل بالعلم كما يقتضيه مقام الإسلام . فقال له إن أسلمت ألحدت أي رجعت إلى الثنوية المعفو عنها بعد الوحدانية ، قال وإن طالبت أسلمت أي وإن طالبت بالجنة كما يقتضيه مقام الإسلام أسلمت أي أعدت إلى مقام الإسلام بعد أن تجاوزته ، قال فرأيته فعرفته بأنه الوجود ورأيت نفسي فعرفتها بأنها العدم فقال لي أفلحت . قوله : وإذا جئت إليّ فلا يكن معك من هذا كله شيء : أي وإذا اعتبرت شهودي فلا تكن ، أي فإنك لا تشهد من هذا كله شيئا لأنك إذ ذاك يضمخك « 1 » رسمك فتذهب عنك صفة عارف ومعروف . وعبر

--> ( 1 ) ضمخ : الضّمخ : لطخ الجسد بالطّيب حتى كأنما يقطر . وتضمخ به : تلطخ به . وضمخ عينه ووجهه وأنفه يضمخه ضمخا : ضربه بجمعه . وقيل : الضمخ ضرب الأنف ، رعف أو لم يرعف ، وقيل : هو كل ضرب مؤثّر في أنف أو عين أو وجه ، وضمخه فلان : أتعبه . ( لسان العرب مادة ضمخ ) .