عفيف الدين التلمساني

283

شرح مواقف النفري

عن ذهاب صفة عارف ومعروف بقوله فإنك لا تعرفني ولا تعرفك ، واعلم أن قوله : وإذا جئت إليّ ، لم يرد منه المجيء الحسي ، بل المعنوي ، وهو اعتبار الشهود فقط . 44 - موقف الحقيقة قوله : ( أوقفني وقال لي : من أنت ومن أنا ، فرأيت الشمس والقمر والنجوم وجميع الأنوار ) . قلت : اعلم أن مراده أن تتبين حقيقة العبد ما هي وحقيقة الحق ما هي . قوله : فرأيت الشمس والقمر وجميع الأنوار يعني في حقيقة قوله : من أنت ، وأما حقيقة قوله : من أنا ، فسوف يتبين أن ذلك مما يوجب انكساف الشمس وانخساف القمر وذهاب الأنوار كلها وعودها إلى الظلمة ، ونعني بالظلمة العدم . قوله : ( وقال لي : ما بقي نور في مجرى بحري إلا وقد رأيته ، وجاءني كل شيء حتى لم يبق شيء فقبّل بين عينيّ وسلّم عليّ ووقف في الظل ) . قلت : مجرى بحره هو حقيقة وجوده ، والتقبيل بين عينه هو عبارة عن انقياد ما سواه إليه ، وذلك هو حقيقة السلام أيضا . وأما وقوف كل شيء في الظل فإن الظل هو العدم الإضافي ؛ فإن الظل لا حقيقة له في ذاته وإنما يتحقق بالنور المكشف لما بطن أنه مكانه وأدرك حقيقة الظل ، ومن عرفه عرف حكمة كثيرة ، فقوله وقف في الظل : أي شهدت حقيقة فوجدتها كحقيقة الظل فوقفت فيه أي كانت من نسبته . قوله : ( وقال لي : تعرفني ولا أعرفك ، فرأيته كله يتعلّق بثوبي ولا يتعلّق بي ، وقال هذه عبادتي ، ومال ثوبي وما ملت فلما مال ثوبي قال لي : من أنا ، فكسفت الشمس والقمر وسقطت النجوم وخمدت الأنوار وغشيت الظلمة كل شيء سواه ولم تر عيني ولم تسمع أذني وبطل حسّي ، ونطق كل شيء فقال اللّه أكبر ، وجاءني كل شيء وفي يده حربة ، فقال لي اهرب ، فقلت إلى أين ، فقال قع في الظلمة ، فوقعت في الظلمة فأبصرت نفسي ، فقال لي :