عفيف الدين التلمساني
279
شرح مواقف النفري
ومن خواص هذين النظرين أو أي نظر اعتبرته منهما دخل فيه النظر الآخر بجميع ما يتعلق به دخولا لا يوصف بأنه ضرب من ضروب الفقه ، ولدخول كل نظر منهما في الآخر بجميع متعلقاته ، وصيرورة كل منهما من حقيقة الآخر يسمى هذا قلب العين . فلما أشهد العبد هذين المقامين وعرف نفسيهما الذي به تنقلب الأعيان تارة من حضرة أحدية الجمع إلى حضرة الإنسانية ، وتارة من حضرة الإنسانية إلى حضرة أحدية الجمع ، قيل له : « اخرج فأنت الفقيه ، قال فخرجت أسعى في الفقه » أي أستجلي تفاصيل ما ينقلب أعيانه بموجب هذا الفقه ، وسمي ذلك سعيا في الفقه ، قال : « وصح لي قلب العين » أي بذلك الفقه ، وقال فلما قلبها بالفقه صارت كأنها من المصنوعات فلما جاء بها إليه قال : « لا أنظر إلى مصنوع » وذلك أن الخطاب كان من أحدية الجمع وهي محيطة بكل شيء ما خلا الرتبة الإنسانية ، فإن كل واحد منهما محيط بالآخر من وجه ووجه . 42 - موقف نور قوله : ( أوقفني في نور وقال لي : لا أقبضه ولا أبسطه ولا أطويه ولا أنشره ولا أخفيه ولا أظهره ، وقال : يا نور انقبض وانبسط وانطو وانتشر وأخف واظهر ، فانقبض وانبسط وانطوى وانتشر وخفي وظهر . ورأيت حقيقة لا أقبض وحقيقة يا نور انقبض ) . قلت : اعلم أنه لما أوقفه في شهود نور لا يغاير ذاته تعالى ؛ ولذلك قال لا أقبضه ولا أبسطه إلى آخره ، لأنه غير منفصل فلا يكون مفعولا . ولأن المفعول أبدا غير الفاعل فلا لم يكن هذا النور غيره تعالى لم يجز أن يكون مفعولا لتغاير ما بين الفاعل والمفعول . وأما قوله : « يا نور انقبض إلى آخره » فهذا القول ليس قولا باللفظ ، لكن ذات النور تقتضي هذه الحركات التي عينها ؛ وذلك لأن النور هو حقيقة جوهر الوجود وهو شيء ما في الخارج لأن الحق تعالى في الخارج وهو النور والنور من أسمائه . ولما كان النور هو الوجود ، والوجود لا حقيقة للعدم فيه ، استحال سكونه ؛ لأن السكون ضرب من العدم . فلا جرم لما استحال سكونه كانت حركته بالذات . وإذا اقتضت الذات شيئا اعتبر عن ذلك الاقتضاء بالقول ، فهو قوله : وقال يا نور انقبض إلى آخره . وهذه الحركة من