عفيف الدين التلمساني

265

شرح مواقف النفري

قوله : ( وقال لي : معرفة لا جهل فيها لا تبدو ، جهل لا معرفة فيه لا يبدو ) . قلت : قد فسرنا الجهل الخاص بالخواص بأنه الفناء ، فمعرفة لا فناء للرسوم فيها هي لا تبدو أي لا تتحقق ، وأما الجهل الذي لا معرفة فيه فهو عدم العلم ومعلوم أن الجهل بهذا التفسير هو صفة عدم أو عدم صفة ، والعدم لا يبدو أي لا يتحقق . قوله : ( وقال لي : أدنى ما يبقى من المعرفة اسم البادي ) . قلت : اعلم أن المعرفة كما ذكرنا مرارا إنما تكون عن التجلي الإلهي ، فقد يكون التجلي هو من حضرة اسم من الأسماء ، فأقل ما يبقى في محل المتجلّي عليه أي في قلبه اسم تلك الصفة الإلهية التي كان منها ، وقد يبقى مع اسم البادي معانيه على حسب سعة التجلي وضيقه ، وفي هذا التنزل فائدة ينبغي التنبيه لها وهي في قوله أدنى ما يبقى : فجعل المعارف هي من قبيل ما يبقى بعد ذهاب التجلي . واعلم أن ما يبقى إنما هو علم المعرفة لا المعرفة ، غير أنه سماها معرفة بضرب من المجاز ، وذلك بعلاقة أن علم المعرفة هو من لوازم المعرفة ، فعبر باسم الشيء عن اسم ما يؤول إليه كتسمية العنب في ( أعصر خمرا ) بالخمر . قوله : ( وقال لي : عرفني إلى من يعرفني يراني عندك فيسمع مني ، ولا تعرفني إلى من لا يعرفني يراك ولا يراني فلا يسمع مني وينكرني ) . قلت : اعلم أن المشايخ رضي اللّه عنهم متأدبون بهذا الأدب ، فقد كان قدماؤهم كذلك حتى الحلاج رحمة اللّه عليه ، فقرب المحجوبين بربه عزّ وجلّ فرأوه ولم يروا ربه تبارك وتعالى ؛ فأنكروا وترتب على ذلك الإنكار مالا ولو حفظ أهل هذا الشأن سره لم ينكر . قوله : ( وقال لي : إذا عرفت من تسمع منه عرفت ما تسمع ) . قلت : هذا خاص بالحق تعالى ، وهو أنك إذا عرفته عرفت ما تقول ، وأما في المخلوقات فلا يلزم العربي إذا عرف العجمي أن يعرف ما تقول .