عفيف الدين التلمساني
266
شرح مواقف النفري
قوله : ( وقال لي : لن تعرف من تسمع منه حتى يتعرف إليك بلا نطق ) . قلت : هذا أيضا دليل على أنه أراد بمن تسمع منه إياه تعالى ؛ ولذلك خص الكلام بما يخصه تعالى دون غيره ، وهو تعرف إلى عبده دون نطق ، ونفى بالتعرف دون النطق التجلي . قوله : ( وقال لي : إذا تعرف إليك بلا نطق تعرف إليك بمعناه فلم تمل في معرفته ) . قلت : التعرّف بلا نطق هو التجلي ، والعرفان هو الإحساس بمقام المتجلي بما أفناه من رسوم المتجلّى عليه ، والمعرفة اسم لما يبقى من علوم ذلك التجلي في المحل ، وأقلها اسم البادي كما تقدم ، ويظهر من هذا أن التعرف بلا نطق هو أعلى من التعرف بالنطق ، والأمر كذلك ، وإنما يحصل الميل في التعرف بلا نطق من جهة أن الميل يحصل من العبارات النطقية لما في الكلام من المجاز والحذف والإضمار والإطلاق والإجمال وغير ذلك ، فالتعريف بلا نطق خالص من هذه الاحتمالات . قوله : ( وقال لي : أنكرتني كل معرفة لم أشهدها أنني جاعلها ، وهربت إليّ كل سريرة لم أشهدها أنني مطالبها ) . قلت : اعلم أن هذه التنزلات إنما هي بألسنة الأحوال ، وتنفصل وارداتها في نطق العبد مطابقة للأحوال أنفسها . فقوله : أنكرتني ليس على ظاهره ، فإن الذكرى إنما تكون عن نسيان ، وليس هذا محل النسيان ، لكن المراد أن حال كل معرفة حال من يذكر بنفسه لا أنها بذكر الحق تعالى ، والمعرفة التي لم تشهدها هي التي نقل لا منازله فهي مجعولة أي من عالم الخلق وإنما السرائر التي لم يشهدها فهي التي لم تنازلها التجليات الإلهية فهي هاربة إليه ، وهو مطالبها ، فإن لسان العلم متوجه إليها وحججه قائمة عليها . قوله : ( وقال لي : خوف كل عارف بقدر ما استأثرت معرفته بنفعه في معرفته ) . قلت : قد تقرر مرارا أن التجلي العرفاني يمحو الرسوم ويذهب النعوت ؛ فإذن لا يبقى على العارف خوف إلا بمقدار ما استأثر فيه بنعته أي بمقدار ما لم يفن من نعته ، بل بقي في معرفته والبقية حجاب .