عفيف الدين التلمساني

258

شرح مواقف النفري

كان أحرى أن تحصل الإجابة منهم وينقادوا إلى ما دعوا إليه وألا يقروا ، فإذن الخطاب يختلف باختلاف مبالغ المخاطبين ، وقد ورد في السنة الشريفة « خاطبوا الناس على قدر عقولهم » . قوله : ( وقال لي : لها من خاطبته برغبته وانقطع من خاطبته برهبته واتصل من خاطبته بمبلغه ) . قلت : يعني أن المرشد إذا خاطب المريدين بمواعيد الرغبة لهوا عن ذلك ، أي نشوة فلم يستجيبوا وإن استجابوا لهم وإن دعوهم بأبعاد الرهبة انقطعوا إذ لا لذة في العمل بمقتضى الرهبة . وأما من خوطب بمبلغه فإنه يستجيب ولا بد ، فإن كانت الرغبة مبلغه خوطب بها ، وإن كانت الرهبة مبلغه خوطب بها ، وإن كان استعداده فوق ذلك بأن يكون مراده الحق تعالى خوطب بما يوجهه إليه الحق عزّ وجلّ لا في رغبة ولا في رهبة . قوله : ( وقال لي : إذا كان النعت مبلغا فهو مبلغ لا نعت ، وإن كان النعت لا مبلغ فهو نعت ) . قلت : هذا من تتمة إرشاده للمرشدين إلى طريق طلبهم للمريدين أن يسلكوا إلى اللّه تعالى فذكر لهم أن خطابهم للمريدين ينبغي أن يكون في مبالغهم ، ثم ينههم في هذا القول علي ، إذا اشتبه المبلغ بالنعت ، والفرق بين المبلغ والنعت هو الفرق ما بين المقام والحال ؛ فالمبلغ بمنزلة المقام ، والنعت بمنزلة الحال . وذلك أن الحال يحول كما أن النعت يزول ، والمبلغ يدوم كما أن المقام يدوم ، فإذا رأى المرشد مريده في صفته نظر هل هو مستقر فيها أو هي مستودعة فيه ، فإن كان الأول خاطبه في تلك الصفة بمقتضاها ؛ وذلك لأنها مبلغ لا نعت ، وإن كان الثاني لم يخاطبه فيها لأنها نعت لا مبلغ . قوله : ( وقال لي : المبلغ منتهى النسب ، والنسب منتهى السبب ) . قلت : يعني السبب المحرك إلى اللّه تعالى إنما هو نسب إليه عزّ وجلّ ، ويسمى ذلك السبب استعدادات وأهليات ، فإذا صحت النسب فعل السبب ؛ لأن منتهى النسب إلى السبب ، والسبب هو المبلغ ، ولذلك إنه ينجع الطلب مضار المبلغ من حيث ما هو السبب هو منتهى النسب كما ذكر .