عفيف الدين التلمساني
25
شرح مواقف النفري
2 - موقف القرب قوله : ( أوقفني في القرب ) . قلت : معناه أيقظ قابليتي لشهود تجليه من حضرة قربه . قوله : ( وقال لي ) : قلت : معناه أثبت عندي معاني القرب فكأنه خاطبني بمعانيه خطابا وهذا مجاز وجميع ما يأتي من قبل هذا معناه ، فلا حاجة إلى تكرار القول فيه في كل موقف ، فضلا عن كل خطاب . قوله : ( ما مني شيء أبعد من شيء ولا مني شيء أقرب من شيء ) . معناه : ما شيء من العالم أقرب إليّ من شيء من العالم ، ولا شيء منه أبعد عني من شيء ، وليس معناه كما يتبادر إلى الفهم وهو أن يفهم منه أنه ما شيء من الحق تعالى أقرب إليه من شيء آخر هو منه أيضا ، فإن هذا محال عليه تعالى ، بل وعلى كل ذي صورة فضلا عن المنزه عن الصورة واختلافها والأعضاء ، وتغايرها الصورة تعالى اللّه عن ذلك ، وإذا علم هذا سهل فهم المراد وهو أنه ليس بعده أو قربه قرب مسافة ولا بعد مسافة ، وثبت أيضا أنه ليس شيء من الموجودات أقرب إلى اللّه من شيء منها ويعني به قرب مسافة ، وأما قرب المرتبة فذلك محقق ، وكذلك بعدها ، وإنما أوقع الإيهام في هذا التنزل أنه استعمل فيه منّى في موضع إليّ ، ولعمري إنه هو الأفصح ؛ فإنه تعالى قال : إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [ الأعراف : الآية 56 ] ولم يقل إلى المحسنين . قوله : ( إلا على حكم إثباتي له في القرب والبعد ) . قلت : يعني إثباتي له في القرب المرتبي ، فثوب الملك مثلا أقرب إليه من ولده لكن في المسافة ، وأما في الرتبة فالولد أقرب دائما . قوله : ( وقال لي : البعد تعرفه بالقرب ، والقرب تعرفه بالوجود ) . قلت : هذا إرشاد منه إلى أن تعرف البعد والقرب المقصودين في هذا الموقف ، وذلك من معاني السلوك ، فإنه إذا وجد التجلي العرفاني تجدد له حال ،