عفيف الدين التلمساني

26

شرح مواقف النفري

ويعلم قطعا أنه أشرف من الحال الذي كان عليه قبل هذا التجلي ، فعرف إذ ذلك أن الذي كان فيه قبل هذا التجلي هو البعد ، فعرف البعد بما حصل له من القرب فهذا معنى قوله : « البعد تعرفه بالقرب » ، ومعنى قوله : والقرب تعرفه بالوجود ، فهو أن تجد أحوالا سنية ومواجيد ربانية ، فبذلك الوجود تعرف أن القرب قد حصل له فقد عرف حقيقة القرب بالوجود ، ولا يمكن أن ينعكس الأمر فيعرف القرب أيضا بالبعد ، فإن معرفة القرب سابقة لمعرفة البعد ، والمتأخر لا يكون سببا للمتقدم من جهة واحدة . قوله : ( وأنا الذي لا يرومه القرب ، ولا ينتهي إليه الوجود ) . قلت : معناه لا يرومه القرب أي لا يكون القرب سببا لشهود ذاته تعالى ؛ وذلك لأن القرب وصف ثبوتي ، وهو لا يشهد مع ثبوت شيء أصلا بل عند اضمحلال الرسم ، والقرب رسم من الرسوم فثبوته مع شهود الحق شرك فهذا معنى قوله : لا يرومه القرب ، وأما معنى ولا ينتهي إليه الوجود فهو أيضا قريب من المعنى المذكور وذلك أن الذي ينتهي إليه الوجود هو مغايرته له ، وإلا كان لا انتهاء هناك ، والمغايرة تقتضي ثنوية ، ويحصل بذلك نسبة واجد وموجود ، وذلك شرك لا يليق بشهوده تعالى فإن نوره ينفي الأغيار . وما أسفه وأسخف عقل من ظن أن أهل اللّه تعالى يقولون بالحلول أو الاتحاد وهما في عين الشرك ، والقوم براء من الشرك ، فإذا علم هذا علم أن القرب والبعد في الحجاب ، وأن الحقيقة لا قرب فيها ولا بعد . قوله : ( وقال لي : أدنى علوم القرب أن ترى آثار نظري في كل شيء فيكون أغلب عليك من معرفتك به ) . قلت : هو في هذا التنزل يبين معنى القرب بالإبانة عن أدنى علومه ، فإن الإبانة عنه دفعة واحدة فيها تصريح كثير وهو مسلوك به طريق التقريب ، والإشارة مع ستر رقيق ، ومعنى عبارته إن أدنى علوم مقام القرب أنك إذا نظرت إلى شيء مثلا بالنظر الحسي أو العقلي أو غيرهما وجدت نظرك إليه تعالى أغلب عليك من معرفتك بذلك الشيء ، هذا من أدنى علم القرب ، وذلك أنك لا ترى شيئا إلا وترى اللّه تعالى قبله رؤية أظهر من رؤيتك ذلك الشيء والناس في ذلك مراتب :