عفيف الدين التلمساني

205

شرح مواقف النفري

قوله : « فقد خرجت إلى الأرض مرارا وعبرت » يعني بالأرض الكثائف كلها ، ومعنى هذا أنه تجلى لعبده في اسمه الظاهر ، أعني مظاهر هذه الكثائف ، ثم احتجب عنه بحكم أن التجلي لم يكن ذاتيّا . قوله : « فإنني أقمت في بيتي وأريد الرجوع إلى السماء » معناه أن التجلي يدوم فلا ينحجب وجه الحقيقة عن هذا العبد أبدا ، ومعنى رجوعه إلى السماء أنه يشهده عبده ووليه أن ما كان يشهده من التدلي والتنزل في التجلي ليس إلا تأنيا وتقريبا إلى فهمه ، وإلا فليس للحق نزول ، فإذن معنى العود إلى السماء إنما هو إشهاد وليه أنه في السماء أي العلو لم يزل ، ويعني بالعلو عدم الجهة ، فإن الجهة سفل وعدم الجهة هو علو ، وتسمية العلو والسفل مجاز تعالى عن حقيقته . قوله : « فظهوري إلى الأرض هو جوازي عليها » معناه أن نفس التجلي هو الجواز ، ويعني بالجواز ظهور النزاهة عما يتعلق بالأرض . قوله : « ببديع فطرتي » معناه شهود الولي لهذا الجواز هو بالفطرة الإلهية لا بالأذهان والعقول المعقولة بالعقائد والعوائد ، قال اللّه تعالى : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [ الرّوم : الآية 30 ] فنسب الفطرة إلى نفسه والناس مفطورون عليها . قوله : « وخروجي منها بتبديلها » معناه أن الولي إذا شهد هذا المشهد رأى الحقيقة التي كانت تتجلى في المشاهد الجزئية ، وذلك التنزه هو الخروج ، واستعمال المجاز في هذا الكلام كثير بسبب ما فيه من الفصاحة ، ومعنى تبديلها أن يرى ما كان يراه خلقا يتحول في عينه فيراه حقّا ، فالتبديل يوم القيامة غير هذا التبديل . قال بعضهم حججت بعض سنيه فرأيت رب البيت ولم أر البيت ، وهذا هو التبديل المشار إليه ، ويسمى ذلك قدره لأنه هو الفاعل لذلك ، وكل فعل فبقدرته عزّ وجلّ . قوله : « وهو آخر عهدها بي » معناه أنه لا يرى من بعدها أن هذه المظاهر هي مجال للحقيقة ، بل يرى الحق وحده ، فهو آخر عهده بالظهور الجزئي . قوله : « وإذا خرجت منها إن لم أمسكها لم تقم » معناه أن ظهوره الذاتي في تلك المظاهر والمجالي هو خلف عن ظهوري الجزئي الذي كان يشهده ، فإمساكها هو بأن تقيمها القيومية الذاتية ، واعلم أن كل مرتبة من مراتب التجليات تشهد فيها القيومية بحسبه ، وأما التجلي الذاتي فقيوميته هو قيام الأشياء بذاتها من حيث هو