عفيف الدين التلمساني

193

شرح مواقف النفري

ففناء القول غطاء ، ثم إن فناء الغطاء هو أيضا خطر ؛ وذلك لأنا قد تبينا أن هذا الغطاء هو فناء القول ، ففناء هذا الغطاء يوهم بإبقاء ضده وهو بقاء القول ، وبقاء القول خطر يخشى فيه من الحجاب من حيث إنا قد قدمنا أن القول حجاب ، فإذن فناء الغطاء ان كان بالارتقاء إلى ما هو أعلى من مقامه تخلص ، وإن التفت إلى وراء بإثبات القول توحل . وحاصله أن يثبت القول بالمقام الأعلى لا من حيث المقام الذي القول فيه حجاب ، وإذا تحققت هذا عرفت أن فناء الخطر المذكور صحة ، وتلك الصحة هي بأن يثبت القول الذي هو ترجمان العلم من مرتبة التحقيق التي هي فوق مرتبة العرفان ، ثم يبين كيف ذلك بأن يقول إن فتيا العلم في حق أهل الحجاب ثابتة وفي حق أهل الرؤية ساقطة ، وأما في حق أهل التحقيق فإن القول العلمي في حق ظواهرهم ثابت وفي حق بواطنهم موقوف عند حده لا يتجاوزون بالعلم مقامه ، فإذن ظاهرهم للعلم وباطنهم للحقيقة ، فإذا عرف هذا عرف أن العلم يفتي بأن هذا الحكم مثلا يكون والحقيقة تفتي بأنه لا يكون ، وذلك هو قوله علم ذلك تكون وحقيقته لا تكون ، فإذا الحقيقة تأمر بالهجوم من غير استئذان العلم فإن الحقيقة تنفي ما يثبته العلم في مرتبة هذا السالك ، وإن كانت الحقيقة تصحح العلم في مرتبة الحجاب . فلاحظ هذا التنزل فإنه مفيد جدّا . قوله : ( وقال لي : أنت ضالتي فإذا أوجدتني فيك فأنت حسبي ) . قلت : يقول بيني وبينك مضايقة لا تنفك من حيث إن الرب يقتضي أن يكون له مربوب وهو الإله تعالى فيطلب المألوه كما أن السيد لا بد له من عبده حتى تتحقق السيادة في مقابلة العبودية ، ويكون العبد قائما بحقوق العبودية ، فإن ذلك مما يحقق معنى السيادة لسيد ذلك العبد ، فلا بد له منه فهو ضالته ، فإذا أمكن العبد ربه عزّ وجلّ من نفسه بخروجه عما سواه فهو حسبه أي هو حسبه في تحقيق معنى السيادة له على عبده ، وذلك هو المقصود الأول من الباري عزّ وجلّ في قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) [ الذّاريات : الآية 56 ] قال ابن عباس رضي اللّه عنهما معناه ليعرفوني . وهذا العرفان هو تسليمهم في العبودية لصاحبها فشبه هذه الحالة بطالب الضالة فإذا وجدها اكتفى .