عفيف الدين التلمساني

192

شرح مواقف النفري

عن خلافه ، بل لا يصحبك فيه غير اللّه تعالى عزّ وجلّ ، وكذلك بيتك الذي هو الحشر لا تحضر ومعك غيره تعالى . فإذن المقصود أن ترى بيتك ليس فيه غيره تعالى وحده وحينئذ تأمن ، وأما إن لم تره وحده تعالى فاطلبه في كل شيء سواء كان ذلك الشيء مشروعا أو غير مشروع فإن رؤيته في المشروع فالهجوم عليه سهل ، وفي غير المشروع نظر تحكم به الحال لا القيل والقال ، وفي قوله لا تستأذن إشارة إلى ما يحكم به الحال ، ولذلك قيل إن هذه الطائفة تسلم إليهم أحوالهم ، وحكي عن بعض أهل الأحوال أنه فقد حاله أربعين يوما فمر بقينة تغني فجلس يسمع غناءها فقيل له : أما بلغك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من جلس قينة يسمع غناء صب في أذنيه الآنك يوم القيامة » « 1 » ، فقال له : ويحك ذاك من جلس لا من أجلس ، قال فما قام من مجلسه ذلك حتى عاد إليه حاله . والمراد بالاستئذان أن يستفتي العلماء هل يجوز الهجوم على ما رأى الحق تعالى فيه أم لا فقيل لا تستأذن ؛ فإن لسان العلم ينهاك ولسان الحال يحثك على الهجوم على ما رأيت الحق تعالى فيه لأنك من أهل الرؤية فنصيبك ما يفتي به الحال ، ولو كنت من أهل الغيبة لكان نصيبك ما يفتي به العلم . قوله : ( وقال لي : القول حجاب فناء القول غطاء فناء الغطاء خطر فناء الخطر صحة ، علم ذلك يكون حقيقته لا تكون ) . قلت : هذا التنزل مشير إلى آخر التنزل الذي قبله وهو في مادة قوله : « فاهجم ولا تستأذن » فكأنه قال إن استأذنت العلم أفتاك بمضمون القول والقول حجاب فنهاك عن الهجوم ، وأما فناء القول فإنه وإن كان أقرب إلى الكشف من القول ، فإنه غير خال من حجابيته باعتبار آخر غير اعتبار القول وتلك الحجابية لأن الحقيقة تفني القول في كل مرتبة ، بل في مرتبة أهل الشهود والرؤية ، وهو مقام فوق مقام أهل العلم وتحت مقامات أهل التحقيق .

--> ( 1 ) هذا الأثر لم أجده والذي ورد هو قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صبّ في أذنيه الآنك » . رواه الطبراني في المعجم الكبير ، عن عبد اللّه بن عباس ، حديث رقم ( 11960 ) [ 11 / 344 ] ورواه أحمد في المسند عن ابن عباس ، حديث رقم ( 3383 ) [ 1 / 359 ] ورواه غيرهما .