عفيف الدين التلمساني

191

شرح مواقف النفري

إني ممن اتخذ ربه تبارك وتعالى وكيلا فهو يقوم عنده بالحسنات وهذه هي الحكومة . وقد علمت أن المعرض عن المحسوسات اكتفاء بربه تعالى فهو متوكل عليه . قوله : ( وقال لي : بيتك هو طريقك بيتك هو قبرك بيتك هو حشرك انظر كيف تراه كذا ترى ما سواه ) . قلت : معناه أن المراد بإخلاء بيتك من السوى هو كل هذه المراتب ، وهذا إشارة إلى الإعراض عن السوى في سلوك الطريق إلى ربه تعالى ، وفي ملاحظة سكناه القبر أي لا تستصحب فيه العمل الصالح فضلا عن سواه ، وذلك لأن العمل الصالح إذا رأى أنه هو العامل له فإنه لم يخل من السوى ، ولذلك يخلي ملاحظته للسوى في الحشر ، وذلك بأن لا تتكل في الحشر على عمل ولا على غير ربه تعالى . ثم أكد فقال انظر كيف ترى بيتك الذي هو هذه المراتب المذكورة كلها فإن كنت تراه خاليا من السوى فكذا ترى ما سواه ، وإن رأيت فيه أثرا لسوى فكذلك ما سواه هو مشغول بالسوى . قوله : ( وقال لي : إذا رأيتني في بيتك وحدي فهو الحرم الآمن يؤمنك من سواي ، وإذا لم ترني في بيتك فاطلبني في كل شيء فإذا رأيتني فاهجم ولا تستأذن ) . قلت : معناه إذا كانت أحكامك في جميع المراتب التي ذكرنا أنها بيتك ظاهرة عن ملاحظة السوى فذلك حرم لك لكن آمن ، ومثال ذلك ما في بيتك الذي هو طريقك فإنك إذا سلكت إليه تعالى به لا بك بأن لا تعتد بالعمل الصالح مثلا أنه صادر عنك بل عنه فقد سلمت طريقك من قاطع وسارق ورصدي وعدو وسبع مثلا ، فإن هذه قواطع الطرق الحسية ولها نظراء من قواطع في طريق اللّه عزّ وجلّ . ومثال ذلك بيتك الذي هو القبر لا تضيقه عليك باستصحاب العمل الصالح فضلا

--> - سوادا كثيرا سدّ الأفق فقيل لي : انظر هكذا وهكذا فرأيت سوادا كثيرا سدّ الأفق فقيل : هؤلاء أمتك ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب فتفرّق الناس ولم يبيّن لهم فتذاكر أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : أما نحن فولدنا في الشّرك ولكنّا آمنّا باللّه ورسوله ولكن هؤلاء هم أبناؤنا فبلغ النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : هم الذين لا يتطيّرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربّهم يتوكّلون ، فقام عكاشة بن محصن فقال : أمنهم أنا يا رسول اللّه ؟ قال : نعم ، فقام آخر فقال : أمنهم أنا ؟ فقال : سبقك بها عكاشة » .