عفيف الدين التلمساني
181
شرح مواقف النفري
يستحقون على العمل أجرة وأما كون الإقبال على المعارف من عتبه تعالى ، فإن العتاب إنما يكون بين الأحباب ، فإذن يكون في نسبة الدنيا إلى الآخرة كنسبة الغضب إلى الحجاب ، ونسبة العلم إلى المعرفة كنسبة الحبس إلى العتاب فإذن العارف معتوب ، والعالم محبوس ، والعابد محجوب ، واللاهي بالدنيا مغضوب عليه ، وليس الخالص إلا من هو في مقام الوقفة . فإن قلت فهل يقبل أحد على الدنيا ولا يكون من المغضوب عليهم . فالجواب لا وإنما إذا وصل إلى مقام الوقفة لم ير إلا الحق فإن أخذ الدنيا فإنما يأخذها بالحق من الحق وهذا في الغاية القصوى وفي المنزلة العليا . قوله : ( وقال لي : إن سكنت على عتبي أخرجتك إلى حبسي ، إن وصفي الحياء فأستحيي أن يكون معاتبي بحضرتي ، فإن سكنت إلى حبسي أخرجتك إلى حجابي وإن سكنت على حجابي أخرجتك إلى غضبي ) . قلت : هذا التنزل ناطق بما أجرى اللّه تعالى به عباده السالكين إليه والحكم فيه يطرد وينعكس وذلك مما جربه أهل السلوك ، وهو أن من بلغ إلى مقام العرفان فهو من أهل الرؤية فإن كان ممن وقف استعداده عن العطش إلى المزيد فإنه ضرورة يسكن في مقام المعرفة وهو كما ذكر مقام العتب ووجه العتب هو بما استحقه نقص الاستعداد لا أن المنع كان من جهة المدد المنبعث من الاسم الجواد . ولما كانت حضرة العزة الإلهية لا تقبل الشركة وكان العارف بمنزلة المكاتب الذي ما استحق الحرية بعد فهو في وطرف من الحضرة طرف من الكون الحجابي ، فإذا روى بالممزوج ووقف دون الوقفة عن الولوج استحق الخروج فيخرج عن العرفان الذي هو مقام المعاتبة إلى مقام العلم الذي هو الحبس . فإن استمر نقص الاستعداد وتقهقر عن السعي إلى المورد العذب ، والروض المخضر المراد رد إلى مقام الأجراء وهم أهل الآخرة ، وذلك مقام الحجاب لأنهم الخادمون لحظوظهم من طلب الثواب . فإن سكن على هذا المقام رد إلى مقام أهل الغضب الخائفين من العقاب ، وهذا هو أنزل مقامات أهل الإيمان من أهل الطاعة لا من أهل العصيان ، فأما العصاة فلما ذكر لهم ههنا إذ ليسوا في حساب الراغبين ولا في عداد الطالبين ، فإن المقبلين على دنياهم خائفون غير مخالفين للشرع فإنهم وإن رضوا بالحياة الدنيا لكن لم يطمأنوا بها . وأما العصاة فهم الذين قيل فيهم رضوا بالحياة