عفيف الدين التلمساني

153

شرح مواقف النفري

وأما كونه أمره أن يكتب ، فإن الكتابة في أول مبادئ التجليات توجب ثبات العدم في العرفان ، وسكون القلب عند مطالعتها بعد انقضاء الوارد ، فإن الوارد إذا فارق صحا صاحبه بعد سكرة ، فربما نسي بعض علومه وارداته . ومعنى قوله : إن لم تعرف من أنت فما أنت من أهل معرفتي فإنها نهاية الإنسان في العرفان أن يعرف من هو ، فمن عرف نفسه عرف ربه . قوله : ( وقال لي : أليس إرسالي إليك العلوم من جهة قلبك إخراجا لك من العموم إلى الخصوص أوليس تخصيصي لك بما تعرّفت به إليك من طرح قلبك وطرح ما بدا لك من العلوم من جهة قلبك إخراجا لك إلى الكشف أوليس الكشف أن تنفي عنك كل شيء وعلم كل شيء وتشهدني بما أشهدتك فلا يوحشك الموحش حين ذلك ولا يؤنسك المؤنس حين أشهدك وحين أتعرّف إليك ولو مرة في عمرك إيذانا لك بولايتي لأنك تنفي كل شيء بما أشهدتك فأكون المستولي عليك وتكون أنت بيني وبين كل شيء فتليني لا كل شيء ويليك كل شيء لا يليني ، فهذه صفة أوليائي فاعلم أنك وليّ وأن علمك علم ولايتي فأودعني اسمك حتى ألقاك أنا به ولا تجعل بيني وبينك اسما ولا علما واطرح كل شيء أبديه لك من الأسماء والعلوم لعزة نظري ولئلا تحتجب به عني فلحضرتي بنيتك لا للحجاب عني ولا لشيء هو من دوني جامعا كان لك أو مفرقا فالمفرق زجرتك عنه بتعريفي والجامع زجرتك عنه بغيرة ودّي فاعرف مقامك في ولايتي فهو حدّك الذي إن أقمت فيه لم تستطعك الأشياء وإن خرجت منه تخطفك كل شيء ) . قلت : إرسال العلوم هو ميراث نبوي يحصل للعبد يشرع به للخاصة وينتبه به للعامة ، وهذه المرتبة تكون في بداية الولاية ، ويليها طرح تلك العلوم وهو الكشف ، وحقيقة الكشف محو الأشياء في نظر الشاهد حتى لا يرى إلا الحق تعالى ، وهو قول بعضهم حجبت فرأيت رب البيت ولم أر البيت ، وعلامة ذلك أن لا توحشه المعصية ولا تؤنسه الطاعة ، وذلك لاستيلاء الحق تعالى عليه ، فلا يرى غيره وإن كان بين الحق تعالى وبين الأشياء ، فإن نظر شهوده هو كونه غافلا عن