عفيف الدين التلمساني
145
شرح مواقف النفري
متعينا والحق تعالى وجود مطلق فلا ترى هي منه إلا ما ثبت لها من مطلق وجوده الذي يسمى القيوم . قوله : ( وتشهد منها مواقع النظر المثبت فيها الوجود ) . قلت : معناه نظر الوحدانية الوجودية تسبيحها إنما هو بتعريج إليه تعالى بتماجيدها ، وكل هذا في شهود الشاهد ، والتماجيد والأذكار كلها بألسنة الأحوال لا بألسنة الأقوال إلا من حيث إن الأقوال تختلف بقول كل جزئية هو نطق يليق بها ، وحالها فهي حال واحدة ، وإنما الإنسان هو عن الجميع بنطقه اللائق به وهو نطق جامع للمراتب التي شهدها لا ما لم يشهده منها . قوله : « فقل يا قهار كل شيء بظهور سلطانه » معناه يا من تثبت له عبودية كل شيء طوعا وكرها في العلم ، وطوعا فقط في المعرفة ، والمراد بسلطانه عند هذه الطائفة الوحدانية ، والقهر إحاطة وحدانيته بكل موجود ، وكذلك العز ، وكذلك الاستسيار . وفي هذا التنزل إشارات منها قوله المذهل لها بالتعظيم أي أنها مخلوقة على حالة واحدة لا تتغير عنها ولا لها التفات إلى غيرها ، كما قيل إن الملائكة منهم قيام لا يركعون ، ومنهم ركوع لا يسجدون ، ومنهم سجود إلى غير ذلك ، فإن الملأ الأعلى أكثرهم هكذا على حالات لا تتغير . ومنها قوله : « أنت العظيم الذي لا يستطاع » يعني أنه إذا تجلى فني فيه ما سواه ، قوله : « لا تستطاع صفته » أي صفته أنه وجود وليس غيره يسمى وجودا ، هذا عن هذه الطائفة ، بل إن كان فموجود . قوله : « إذا رأيتها شاخصة إليّ بالتعظيم فقل يا رحمن يا رحيم أسألك برحمتك التي أثبت بها في معرفتك » فإن الإشارة إلى أن المشاهد إذا غلب عليه شهود التعظيم رأى كل شيء شاخصا بالتعظيم إلى ربه عزّ وجلّ ، وهذه صفة مع شرفها بعيدة ، وأشرف منها شهود الرحمانية ، فكأنه قال له اجنح إلى شهود الرحمانية الموجبة للأنس والبسط تخلص من شهود العظمة إلي يقتضي القبض والخوف والمصيبة ، فإن شهود الجمال أنس وشهود الجلال وحشة ، والأحوال ما بين هذين ، وأما شهود الكمال فسكون لا حركة فيه لا إلى البسط ولا إلى القبض ، وحال صاحبه في ظاهرها شبيهة بحال العوام مع أنه أعلى مقاما ، وأبعد مراما ،