عفيف الدين التلمساني

140

شرح مواقف النفري

قوله : ( وقال لي : إن لم تأتمر ملت ، وإن لم تنته زغت ) . قلت : معناه إن لم تأتمر ملت عن مواجهة التذكرة ، وإن لم تنته زغت عن استعداد قبول التبصرة . واعلم أن الميل أقرب حالا من الزيغ لأن ترك الائتمار وقوف عن الخير فقط ، وترك الانتهاء فيه الأمران معا الوقوف عن الخير والمشي إلى الشر ، الأول : ميل ، والثاني : زيغ . قوله : ( وقال لي : لا تخرج من بيتك إلا إليّ تكن في ذمتي ، وأكن دليلك ، ولا تدخل إليّ إذا دخلت تكن في ذمتي وأكن معينك ) . قلت : لم يرد ببيته البيت المبني من اللبن ونحوه ، بل معناه لا تخرج من خاطر من خواطر نفسك إلا إلى الحضور معه تعالى على النحو الذي بينه تكن في ذمته ، والذمة الحفظ وكونها فيها الدليل المذكر بسلوك الواجب ، وكذلك قوله لا تدخل في خاطر من خواطر نفسك إلا إليه تعالى تكن في ذمته أي في حفظه ويكن معينك ، والإعانة أقلها أن العبد يكون عمله بحضور سيده معه أبلغ من عمله إذا كان طالبا بنفسه . قوله : ( وقال لي : أنا اللّه لا يدخل إليّ بالأجسام ، ولا تدرك معرفتي بالأوهام ) . قلت : لما قال في التنزل الذي قبل هذا التنزل « ولا تدخل إلا إلي » أراد أن يبين أن الدخول إليه ليس كدخول البيوت فإنها إنما تدخل بالأجسام ، وأن معرفة الأغيار إنما هي بالأوهام ، وهو تعالى منزه عنهما مع ثبوت كل واحد منهما ، إذ لو لم يثبتا معا في وجه مع انتفائهما معا في وجه آخر لكان الداخل بالجسم فاقدا لربه تعالى من كل وجه ، وذلك باطل فإنه تعالى موجود على الإطلاق ، وإنما المراد أنه تعالى ليس منحصرا في مدخول إليه أو في ضده بخلاف الصور إذا دخل إليها بالأجسام ، فإنها محصورة في مدخول إليه وضده ، وأما أن معرفته لا تدرك بالأوهام ، فمن قبل أن كل متوهم فهو ذو صورة والحق تعالى ليس له صورة ، ولذلك لم يمكن أن يراه غيره ، وإذا سمعت قول أحد من هذه الطائفة يقول : « رأيته أو ما رأيت غيره » فإنما يعني أن الحق تعالى قام بالوجود كله في نظر هذا القائل ، فرأى وجوده من جملة الوجود الحق منها وهي عند غيرهم توهم أن المخلوق يرى الخالق مع بقاء خلقيته ، وذلك ليس من قصد هذه الطائفة .