عفيف الدين التلمساني

128

شرح مواقف النفري

فيما بين تلك الدرجات وهذه الدركات يكون ما ذكر في التنزل السابق من تعرف الحق تعالى إلى قلوب هؤلاء السالكين ، فأشار بلسان الإرشاد إلى ما ينبغي من الاعتماد ، فقال : « وتمسك بتعرفي إليك في وجد قلبك » وهذا التمسك الثاني هو نصيب هذه الطائفة في سلوكهم وعلى قدر الاستعداد يكون تعرفه إليهم وتمسكهم به ، وهذا التمسك المذكور تجهله العقول المحجوبة وتعرفه القلوب المحبة المحبوبة . ومن أعرض عنه فجزاؤه ما تقدم من ذلك النكال نعوذ باللّه من الخذلان وبه منه نعتصم في خطرات الجنان . قوله : ( واعلم أني إذا تعرفت إليك لم أقبل منك من السنة إلا ما جاء به تعرفي لأنك من أهل مخاطبتي تسمع مني ، وتعلم أنك تسمع مني ، وترى الأشياء كلها مني ) . قلت : هذا أيضا مزيد بسط في الإرشاد المذكور ، فإن السنة مجالها رحب ، وفيها لكل أحد ولا يتميز نصيب ، وتلك الأنصبة غير متميز منها ما يخص كل واحد واحد من أفراد الأمة ولا يغير فيها نصيب السالكين إلى اللّه تعالى من نصيب السالكين إلى الجنة ، وإنما يتميز نصيب كل أحد عند تعرف الحق تعالى إلى قلبه ، فإن التعرف هو الذي يميز له نصيبه من مطلق أحكام السنة ، فإن الأمر مجهول عند العلماء ، وهو عند العارفين متميز . وليس نصيب زيد مثلا من السنة هو نصيب عمرو ، ولا ما هو مقرب لخالد يكون هو بعينه مقربا كزيد وإنما يظهر ذلك بأمرين : إما بالتعرف الإلهي في القلوب ، وإما بإرشاد المشايخ رضوان اللّه عليهم ، ولذلك قال : « لم أقبل منك من سنتي إلا ما أثبته لك تعرفي » . ورأيت في كلام الشيخ القرشي رحمة اللّه عليه معنى هذا التنزل وهو قوله الولي مشرع للخاصة منبه للعامة ، وتشريعه هو إعطاء كل سالك من الإرشاد ما يليق به ويشرع له منهجا يسلكه إلى محبوبه الحق . قوله : ( وقال لي : عهد عهدته إليك أن تعرفي لا يطالب بفراق سنتي ، لكن يطالب بسنة دون سنة ، وبعزيمة دون عزيمة ، فإن