عفيف الدين التلمساني
129
شرح مواقف النفري
كنت ممن قد رآني فاتبعني واعمل لي ما أشاء بالآلة التي تشاء أليس كذلك تقول لعبدك فالآلة هي سنتي فاعمل لي منها بما أشاء منك لا بما تشاء لي وتشاء مني فإن عجزت في آلة دون آلة فعذري لا يكتبك غادرا وإن ضعفت في عزيمة دون عزيمة فرخصتي لا تكتبك عاثرا ، إنما أنظر إلى أقصى علمك إن كان عندي فأنا عندك ) . قلت : قد صرح هذا التنزل بجميع ما يجب اعتماده على من أراد الحضرة ، ودعته همته إلى محبوبه ، ولم يكن سواه تعالى من مطلوبه ، فتأمله أيها السيد تجد فيه أجوبة المنكرين على أهل الأحوال والمواجيد ، فإن قوله بسنة دون سنة فيه إشارة إلى سعة السنة وأن نصيب كل أحد منها ما يخصصه له التعريف الإلهي ويعرض ظاهرا عما سواه فهذا قوله بسنة دون سنة وبعزيمة دون عزيمة ، ثم قال : « فإن كنت ممن قد رأى فاتبعني » أي تمسك بما يبدو لك من أدب رؤيتي وأعرض عما يأمرك به من لم يره ، ثم قال : « واعمل ما أشاء » معناه اعمل لي من العبادة ما يوافق مقتضى نظرك إلي وأنه لا محالة مخالف لظاهر العلم فإن ظاهر العلم للعامة ، وأما أهل الرؤية فنصيبهم من السنة ما يقتضي وجد القلب ، ثم قال والآلة السنة ، ثم نبه على كرم الحق تعالى في حكمه فقال ما معناه أن الرخص كثيرة فاحملها عند الناس على استعمال الرخصة إرضاء لهم وهي باطنة لموافقة الوجد لا غير ، ثم نبه على جماع القاعدة المعتمدة في هذا الشأن فقال : « إنما أنظر إلى أقصى علمك » أي الذي تعمل بمقتضاه « فإن كان عندي » أي إن كان مما يجمعك علي « فأنا عندك » وإلا فليس وإن كان علما منقولا وصحيحا إذا اعتبرته معقولا . وفي هذا التنزل كفاية في الاعتذار عن أهل الأحوال ، وبينهم وبين الفقهاء حروب لا تزال ومواقعات لا تنفصل إلا بين يدي ذي الجلال ، وفي اليوم الأعظم ينعم من ينعم ويندم من يندم . وقد أردف هذا الموقف بموقف الأعمال ، وذكر هنالك إشارات مخلصة لمن قصد الخلاص والسلوك على النهج المحمدي لا يشوبه تعمق ، ولا لمنصف من الاعتراف به مناص وهو هذا .