عفيف الدين التلمساني
127
شرح مواقف النفري
اختلاف أنواعها هذا هو في عمومه ، وأما في خصوصه فالمقصود إنما هو الإشارة إلى من تعرف إليه الحق جل جلاله بأنواع التجليات فبنى عنها استعداده وحجبه اعتياده واعتقاده ، وكان من إثبات أنانيته بحيث يقول : نعم أنا أدفعك ، فإنه ما كفاه إثبات نفسه مع الحق في قوله : أنا حتى قال : نعم أدفعك ، والحقيقة تعلم أنه كذب في قوله أنا ؛ فإن الأنانية هي للّه تعالى ، وكذب في قوله أدفعك ؛ فإنما الدافع هو اللّه تعالى ، ثم لم يكفه ذلك حتى كان من عدم الأهلية بحيث يعبر فكأنه ممن رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ، فإن الرضى بالحياة الدنيا حجاب كثيف وأكثف منه الطمأنينة بها . ثم المراد إنما هو الحثّ والتحضيض على التمسك بالحق تعالى عند تعرفه إلى القلوب بأنوار الوحدانية ، والتحذير من معارضتها بالعلم ، والتنبيه أيضا على الأدب الذي يجب على الطالب أن يعتمده عندما يجد في قلبه تجليات الخطاب العرفاني وبوارق النور الوحداني ، وسوف يذكر في التنزل الذي يلي هذا كيفية الأدب الذي يجب على من تعرف إليه الحق تعالى في قلبه أن يعتمده وذلك مفسر بعد إن شاء اللّه تعالى . قوله : ( وقال لي : سلني وقل يا رب كيف أتمسك بك ، حتى إذا جاء يومي لم تعذبني بعذابك ولم تصرف عني إقبالك بوجهك ، فأقول لك تمسك بالسنة في علمك وعملك ، وتمسك بتعرفي إليك في وجد قلبك ) . قلت : هذا هو الأدب المشار إليه آنفا وهو الذي يجب أن يعتمده السالك ، أما أوله فالتمسك بالسنة النبوية في علمه ، ويعني بالعلم علم الشريعة وهو علم الفقه ، لكن فيما يخص العبادات لا ما يعم المعاملات ، والمراد بالعمل العمل بهذا العلم المشار إليه وذلك هو العبادة نفسها وإلى ههنا انتهى نصيب العباد ، ثم أمره بأدب السالكين إليه تعالى بجواذب الاستعدادات الشريفة والسوابق المنيفة ، وهم القوم الذين إذا عبدوه ظاهرا بمقتضى العلم تملقوا إليه باطنا بمقتضى الشوق الحثيث السوق ونازعتهم الهمم أن يقتحموا إليهم ولا يخشوا من التهم ولهم في ذلك مراتب . فمنهم من يستمر له الشهود فلا يعود ، ومنهم من يرجع بعد القيام إلى العقود ، وينزل بعد الصعود إلى أوج الوجود إلى حضيض النكوص والهبوط فيعود