عفيف الدين التلمساني
118
شرح مواقف النفري
وصوره ، والملك هو الفلك المكوكب بما حوى ، والملكوت ما فوق . وقد كان في ذكر هذين كفاية لكن لما لم يكن يعلم أكثر الناس من ذلك لم يكتف به ، أو أنه أراد التفنن في التمثيل ، ومعاني ألفاظ بعد مفهومه ، وبقي معنى قوله : « يقول لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » ومعناه ظاهر ، وهو أن صور هذه الأشياء تقول لك بلسان الحال إن الصفات التي تليق بالحق إنما هي الصفات السلبية ، وذلك هو مضمون قوله : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » وإنما كانت دلالتها عند القلوب والعقول على هذه الصفات السلبية لأنها عدميات ، والشيء إنما يرشد في الحقيقة إلى نفسه وهي عدم ، فأشار إلى العدم ، وذلك ذاتي للصور ؛ إذ هي تعينات كما سبق ذكره ؛ ولذلك قال : ( وترى قولها : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » هو أقصى علمه ) يعني في الصور العلمية ، ومنتهى معرفته يعني في الصور العرفانية ، وهذا هو التجهيل المشار إليه ، إذ معرفة الحق تعالى تدعو العارف إلى الإثبات لا إلى السلب ، ولذلك قالت الحقيقة الحيوية إن الحق تعالى هو الظاهر والعالم غيب وهذا إثبات يعرفه أهله لأنهم إنما يرون الأشياء باللّه تعالى لا بأنفسهم ، أعني رؤية أهل المعرفة . وأما ما فوقها فالأمر على نحو آخر لا هو ذا ولا غيره . فائدة شريفة : اعلم أن من جملة حقيقة قول الأشياء كلها ليس كمثله شيء وكونها مجهلة هو ما عرض للفلاسفة وأهل النظر من عدم الري بعلومهم وكونهم لم يصلوا إلى ما يثلج به الصدور ولا إلى ما يحصل به اليقين حتى أن نهاية أحدهم إذا انتهى إلى الغاية أن يقول علمت أني لا أعلم شيئا ، وقد نقل إليّ من حضر وفاة الأفضل الخونجي رحمه اللّه وسمع منه عند الموت قوله : « نهاية ما وصلت إليه أني علمت أني لا أعلم شيئا غير مسألة واحدة وهو كون هذا المصنوع مفتقر إلى صانع » . والفقر يرجع عندي أنا إلى أمر سلبي ، فما علم شيئا أصلا ونقل إلى أحاد ثقات عن الحسن الخسروشاهي رحمة اللّه عليه أنه قال : « علمت أنني لا أعلم شيئا ، ثم أفتخر بأنه علم ذلك » . ومعلوم أن علمه بالسلب سلب للعلم ، وسمعت من شيخنا الجمال الشريشي رحمه اللّه نقلا عن شيخه ببغداد أنه قال : « واللّه ما أفرق بين حقيقتي البياض والسواد علما حقيقيّا أو قال ما أعلم حقيقتهما ، وهؤلاء جله وكلهم على هذا