عفيف الدين التلمساني

117

شرح مواقف النفري

قوله : ( أوقفني في معرفة المعارف وقال لي : هي الجهل الحقيقي من كل شيء بي ) . قلت : في لفظ هذا التنزل مجاز وهو تسمية معرفة المعارف جهل كل شيء باللّه تعالى ، وهي في الحقيقة سبب الجهل الحقيقي ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه وأعربه بإعرابه ، وإنما كانت سبب الجهل لأنها صور العلوم وصور المعارف كما ذكرنا ، والصور هي تعينات والتعينات عدمية في النظر الحق ، والعدميات لا تدل على الوجود ، ولما كان الحق تعالى هو الوجود الصرف لم يدل عليه ما هو عدم صرف ، وبهذا الاعتبار أيضا سمي معرفة المعرف جهلا حقيقيّا - إذ من المعلوم أن الجهل الحقيقي هو العدم الصرف ؛ ولذلك كان هو الجهل الصرف بالوجود الصرف . فافهم . وفي هذا التنزل سر لطيف وهو في قوله : « من كل شيء بي » مع العلم وذلك بعض الأشياء لا كلها ، لكن المراد شيء آخر به صح إطلاق الكلية وهو غامض فتفطن له ، وهو أن صور الأشياء من كونها عدمية هي منشأ الجهل بالحق تبارك وتعالى ، فكأنه قال : صور الأشياء كلها هي تكون منشأ الجهل لكل جاهل به تعالى ، فالكلية المشار إليها إشارة إلى صور الأشياء كلها ، فافهم ذلك ، واعلم أن طريق حصول التجهيل والتغليط بها إنما هو من كونها تشير إلى العدم إشارات ذاتية لها لأنها عدمية . قوله : ( وقال لي : صفة ذلك في رؤية قلبك وعقلك هو أن تشهد بسرك كل ملك وملكوت وكل سماء وأرض وبر وبحر وليل ونهار ونبي وملك وعلم ومعرفة وكلمات وأسماء وكل ما في ذلك وكل ما بين ذلك يقول ليس كمثله شيء ، وترى قوله ليس كمثله شيء هو أقصى علمه ومنتهى معرفته ) . قلت : رؤية القلب هو إدراك أهل القلوب المنورة بالصدق ، ورؤية العقل هو إدراك القوة المفكرة ، وأما الشهود بالسر فهو نور الفطرة وهو محيط بالإدراكين المذكورين ولذلك أخبر أنه يشهد ولم يقل به يدرك ، وذلك لأن الشهود في اصطلاح طائفة أهل اللّه تعالى هو أعلى من الفهم والإدراك ، وفي ذكر السر معنى آخر وهو الإشارة إلى استجلاء تلك الصور العدمية في النفس وذلك أقوى لأن يكون سبب الجهل المذكور إذ مدارك الحس أوصل إلى الوجود من مدارك التوهم