عفيف الدين التلمساني
116
شرح مواقف النفري
متوسطة المقام بين الوقفة وبين العلم ، فهي أبعد مفارقة من العلم ، لكن هي أيضا مستودع ؛ إذ ليس قرار دون الوقفة ، وهو مضمون قوله تعالى : أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [ الشّورى : الآية 53 ] فإذن الوقفة هي حقيقة الواقف وليست المعرفة هي حقيقة العارف فضلا عن أن يكون العلم حقيقة العالم . 11 - موقف معرفة المعارف اعلم أن معرفة المعارف هي مقام لكنه دون مقام المعرفة ، وذلك لأن المعرفة هي معرفة اللّه تعالى من مراتب أسمائه وصفاته وأفعاله على التدريج ، فنسبتها إلى اللّه تعالى ، وأما معرفة المعارف فهي معرفة تلك المعرفة فنسبتها إلى صور معرفة اللّه تعالى لا إلى اللّه تعالى ، فهي برزخ بين العلم الحجابي وبين معرفة اللّه تعالى . ولذلك تعرض فيها لذكر صور العلم ولذكر صور المعارف فهي كيف كانت إنما تتعرف في عالم الصفات ، وحقيقتها هو علم صور الأشياء ، فهي علم في ماهيتها ، وإنما سميت معرفة لأن فيها مع صور العلم صور المعرفة فأضيفت في اللقب إلى أشرف قسمي صورها وهو قسم صور المعرفة ، فلا جرم أطلق عليها اسم المعرفة ولم يطلق عليها اسم العلم . وتنزلات هذا الموقف يحتاج إلى معرفة شرحها العلماء والعارفون جميعا وفيه إرشاد كاف لأهل البداية في سلوك الطريق إلى اللّه تعالى ، وفيه خلاص للعلماء من ظلمة عدم ظفرهم بالحكم ، والحكم هو ما يلزم الأمر الذي يسميه أهل رياضة العقول وسطا ؛ إذ هو الذي يقترن بقولك ؛ لأنه حين تقول لأنه كذا . غير أن في الحكم المشار إليه هنا معنى هو به أخص من ذلك المسمى وسطا عندهم ، وذلك المعنى هو كون هذا الحكم حقّا في كل صورة من صور معرفة المعارف ، وعلته أيضا تكون حقّا ، وليس الأمر في الوسط الذي يشيرون إليه هكذا ، بل قد لا تكون العلة صحيحة في أنها علة لذلك الحكم ولا توسطها صحيح ، لكن توهموا أنه علة صحيحة وأن التوسط حق وإن كانوا لم يقصدوا به كونه باطلا ، بل كونه حقّا ، لكنهم يخطئون في الحكم ، فإذن الحكم الذي يعتبر في معرفة المعارف هو أخص من الحكم المعروف بين أهل الصناعة المذكورة . فلنعد الآن إلى شرح ما يشتمل عليه تنزلات هذا الموقف من الصور العرفانية والعلمية وباللّه التوفيق .