عفيف الدين التلمساني

107

شرح مواقف النفري

كان وقال في البؤس وإن رأيته وذلك يقتضي أن المقام المحقق من هذين المقامين هو ما يقتضي النعيم ؛ ولذلك خصه بالكون في قوله فإن كان نعيما ، ولم يثبت الكون في جانب البؤس ، بل قال وإن رأيته بؤوسا ، فلم يعطه الكون ، بل أعطاه رؤية السالك ، ورؤية السالك قد لا توافق الصواب ، فدل ذلك على أن البؤس يصحبه الوهم وهو الموجب لأن يراه السالك بؤسا للحجب الغالبة عليه ، ولكن الأدب في حقه هو أن لا ينعم ، وإن كان النعيم صوابا في حق أهل تجلي الجمال كما تقدم ، وهو أدبهم الخاص بهم . فتأمل ذلك . وجماع هذا الأدب أن تعلم أن كل ما جمعك على اللّه فهو حق ، وكل ما فرقك عنه فهو الباطل ، ولا يلتفت إلى من يقول كيف نعرف الحق من الباطل ، ولعل الذي نظنه أنه قد جمعنا على الحق هو مفرق لنا عنه ، ويكون مقصوده بذلك أن يجعل العلم هو دليله ، ويعرض عن الوجد وما يقتضيه من الشرف والمجد ، وهذا هو ، واللّه ، الذي قطع طائفة كثيرة من طلب الحق تبارك وتعالى فاحذره . قوله : ( وقال لي : رأس المعرفة حفظ حالك التي لا تقسمك ) . قلت : هذا أيضا أدب ووصية مضمونها ما سبق من حفظ ما يجمعك على اللّه تعالى ، وذلك في التنزل هو قوله حفظ حالك الذي لا يقف به عن السلوك ، ويعني بالمعرفة هنا معرفة الأدب ، وإن كان ما يجوز أيضا أن يراد به المعرفة إن كان صاحب الحال المشار إليها هو في مقام المعرفة ، والرواية الصحيحة في هذا التنزل هي حفظ حالك التي لا تقسمك ، والمعنى لم يختلف فيهما فإنه إن تقسم خاطر السالك فهو وقوف منه عن السير فيرجع ما كان عليه المعنى الأول . قوله : ( وقال لي : إن راعيت شيئا من أجله أو من أجلك فما هو من المعرفة ولا أنت من المعرفة ) . قلت : معناه : إن نظر القلب إلى مراعاة الشيء إن كان من أجل الشيء في نفسه فالشيئية هي جانب الخلق وهو السوى وفيه يكون الوقوف عن السير والحجاب عن الخير ، ولذلك قال فما هو من المعرفة إذ المعرفة إنما هي التعلق بجانب الحق تعالى ، وبهذا القدر تفارق العلم ، فإن العلم هو التعلق بالسوى ، ومعنى قوله ولا أنت من المعرفة الإشارة إلى أن القلب المتعلق بالمراعاة لشيء