عفيف الدين التلمساني
108
شرح مواقف النفري
من أجل القلب نفسه وحظه هو أيضا باق مع الغيرية ، وهو جانب الخلق كما ذكرنا . فصاحب هذا القلب ليس هو من المعرفة في شيء في نفس هذا التعلق ، والمراعاة وإن كان قد يجوز في حق العارف أن يتعلق تارة بالحق لما وصل إليه من شهوده تعالى ، ويجوز أن يتعلق بالخلق لما فيه من رسمه الذي لم يفن بعد ؛ إذ هو عارف والعارف هو الذي فني بعض رسومه وبقي بعضها ، فهو بما فني منه يعد من الخواص ، وهو بما بقي منه يعد من العوام ، وجانب المعرفة منه هي جانب الحق لا جانب الخلق . قوله : ( وقال لي : كل ما جمعك على المعرفة فهو من المعرفة ) . قلت : في هذا التنزل إرشاد إلى موقع الأدب المطلوب للعارفين خاصة ، وهو ينهاه عن التعلق بسواه تعالى ، والمعرفة من جملة السوى فأخبره أن كل ما هو يصنفك إلى المعرفة فهو منها لا من المعروف الحق تعالى ؛ فاحذر ذلك الجامع . قوله : ( وقال لي : إن انتسبت فأنت لما انتسبت إليه لا لي وإن كنت لسبب فأنت لسبب لا لي ) . قلت : هذا أدب ظاهر الحكم ؛ إذ قد تحققت أن التعلق بسوى الحق تعالى خذلان فالمحجة أن لا يكون لنسب أصلا حتى ولا إليه فإن ذلك نسب ما ، وسيتضح ذلك في تضاعيف القول ، وكذلك لا يكون لسبب أي لا ترى أن السبب يوصلك إليه تعالى ، والمقصود أن تفرغ ممن سواه ، فإنك بذلك بل عند ذلك تمتلئ به لا بسبب الفراغ بل عنده هكذا أجرى سنته . قوله : ( وقال لي : خل المعرفة وراء ظهرك تخرج من النسب ، ودم لي في الوقفة تخرج من السبب ) . قلت : إنما صاحب تجلي المعرفة إذا نازل مقام الوقفة وليس ذلك إليه فإنه يفارق النسب وهو في هذا التنزل لم يرد أن يشعر أن الأسباب محصورة في المعرفة بل أصل السبب أن يكون في العلم ، لكن يبقى منه بقية في مقام المعرفة ، فمن فارق المعرفة وجعلها وراء ظهره فارق السبب بالكلية .