عفيف الدين التلمساني
106
شرح مواقف النفري
عن ملاحظة الحق تعالى إما إيمانا من مقام الإحسان ، وإما عيانا من مقام محو بعض الأكوان ، فإن الأدب في حقك أن تعرف حدك الذي أنت به ، والمراد بالحد هنا أن يعلم أين مقامه من السلوك ، وهو حيث بلغ من طريقه ووصاه تعالى في مقامه ذلك أن لا يغيب فيه عن ملاحظته له تعالى على قدر مقامه من مقام الإحسان الذي هو « أن تعبد اللّه كأنك تراه » « 1 » إيمانا ، وإما من مقام تجهل جزئي عيانا ، فمضمون الوصية إذن الأمر بالحضور مع اللّه تعالى حسب الطاقة ، وفي الحضور المذكور مراتب يظهر الآن بعضها في تضاعيف الكلام . ومعنى قوله : فإن كان نعيما فانعم : أي إن كنت ممن رأى الحق تعالى من عالم الجمال فإنك ترى ما علقك به الحق تعالى نعيما ، وعلامة بعض صفات ذلك أن يرى التلذذ بجميع الملذوذات إنما هو تلذذ بالحق تبارك وتعالى إما من حيث قيوميته الذي بها قامت تلك الأشياء الملذوذة ، وإما من حيث ظهور اسمه الجميل تبارك وتعالى فيها ، وإما من حيث لا فاعل إلا اللّه تعالى عند تصرفه فيها أي يرى ذلك عيانا ، فهذه الأشياء وأشباهها مما لا ينحصر كثرة : كالتعرف في الدنيا ، ومخالطة أهلها بالبسط الذي لا يخرج عن الحد المشروع هي مما يراه هذا السالك المخصوص نعيما ، حيث لم يغب فيها عن ملاحظة جناب العزّة سبحانه وتعالى ، وأما إن كنت ممن يراه بؤوسا ، أعني هذه الأشياء التي تعلق بها ، والبؤس هو ضد النعيم ، فإن الأدب أن لا تنعم كما أن الأدب بالنسبة إلى من ذكر قبل هو أنه ينعم ، ومن هذه الحقيقة انبسط من انبسط من أهل اللّه تعالى ، وأنا لم ألحق منهم أحدا ظاهرا غير الشيخ علي الحريري من قرية بسر بلد زرع من أرض حوران ، وأما أهل المقام الثاني وهم أهل تجلي الجلال ، فرأيت منهم جماعة بعضهم أهل مقام العلم كالشيخ القباري من مدينة الإسكندرية ، وكالشيخ الخزرجي المغربي مات بمصر أنعم اللّه عليه ، وبعضهم أهل مقام معرفة ، فالقوم اجتمعت بهم في أوقات متفرقة وبلاد متغايرة غير معروفين عند الناس فإنهم لغلبة عالم الجلال عليهم انقطعوا عن العالم ، وفي هذا التنزل دقيقة رقيقة وهي في مضمون لفظ التنزل ، وهي قوله : « فإن كان نعيما فانعم » ثم قال في ضده : « وإن رأيته بؤوسا فلا تنعم » فقال في النعيم فإن
--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب سؤال جبريل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الإيمان . . . ، حديث رقم ( 50 ) [ 1 / 27 ] ومسلم في صحيحه ، باب بيان الإيمان . . . ، حديث رقم ( 9 ) [ 1 / 39 ] ورواه غيرهما .