عفيف الدين التلمساني

105

شرح مواقف النفري

قوله : ( وقال لي : إذا بلوتك فانظر بما علقتك ، فإن كان بالسوى فاشك إليّ ، وإن كان بي أنا فقد قرّت بك الدار ) . قلت : هذا أيضا نوع آخر من الأدب المحتاج إليه ، وهو إذا حقق لم يكد المستعد يحتاج معه إلى شيخ مسلك ، وهو أن العبد السالك سواء كان محجوبا أو عارفا ( والمحجوب من هو في مقام العلم أو في مقام المعرفة ) فإن المكاتب عبد ما بقي عليه رسم ، وأعني بالمكاتب العارف ، وإن لم يكن محجوبا باعتبار ما فإنه ينبغي أن ينظر إلى قلبه حين يبتلى بالتعلق ، فإن وجد تعلقه بالسوى فهو مرض وخروج عن السلوك ، ودواء ذلك المرض أن يشكو إلى اللّه تعالى من ذلك المرض ، فإن في الشكوى إليه تعالى ينفصل عما تعلق به واستغفر من ذنبه ، فكأنه قد فارق التعلق به أو كاد يفارقه ، وهذا هو أدب من هذه حاله ، وليس الطريق إلى اللّه تعالى إلا بالعلم والأدب في العمل بمقتضاها ، وأما إن وجد قلبه متعلقا به تعالى فقد مرت به الدار : أي أنه قد وجد الباب الذي فيه يجد الفتح ، وههنا وقفة جليلة ، وهي في مضمون قوله وإن كان بي أنا وهو توكيد الضمير بلفظة أنا والمعنى في ذلك أن قوله وإن كان بي يقتضي احتمال أن يكون التعلق به مجازا مثلا : مثل أن يطلب معرفته أو الزلفى عنده أو يكون من خواصه أو مطلبا شريفا يتعلق به ، فهذه الاعتبارات قد تدخل في مضمون قوله وإن كان بي ؛ إذ لها تعلق به من وجه ما ، فلما أكد الضمير بقوله أنا خرج اللفظ عن احتمال مرتبة ما من هذه المراتب أو غيرها مما يناسبها ، ولم يبق إلا أن يكون متعلقا بالحق تعلقا ذاتيّا لا لشيء غير ذاته تعالى ، فهذا الطالب الأخير هو المخاطب بقوله فقد قرت بك الدار بخلاف من سلف ذكره . قوله : ( وقال لي : إذا رأيتني في بلائي فاعرف حدك الذي أنت به ولا تغب فيه عن رؤيتي فإن كان نعيما فانعم وإن رأيته بؤسا فلا تنعم ) . قلت : هذا التنزل من أشرف تنزلات الهداية وأعظم ما يحتاج إليه أهل التوسط والبداية ، فتأمل معناه أيها السيد إن رمت السلوك ، اللّه تعالى يعصمك فيه من الشكوك . أما قوله إذا رأيتني في بلائي ، فالبلاء هنا هو ما يتعلق به القلب ، فإن به يقع الاختبار ، والبلاء هو الاختبار ، فمعناه أنك إذا كنت ممن لا يقطعه التعلق بالسوى